“الأقصى” أضاء بئر الأزمة الخليجية وكشف مآرب تفتيت تطلع الشعوب للحرية

- ‎فيعربي ودولي

 أحمدي البنهاوي
حتى وقت قريب، كان التساؤل لدى الشعوب العربية يدور حول ازدواجية المواقف التي يرونها في وقوف الخليج، لاسيما السعودية، مع الثورة السورية بوجه بشار الأسد، وفي الوقت نفسه تدفع المليارات لمساندة السيسي، رغم وقوف السيسي نفسه مع بشار ضد السوريين الراغبين في الحرية، ولكن السؤال بات واضحا بعد أزمة خليجية من بقايا أزمات الأحقاد المبنية على الحدود المصطنعة، ثم جهود الصهاينة لمنع المسلمين من المسجد الأقصى، ليكشف كل الأطراف ومدى قوة رد الفعل الشعبي، وإن كان مجرد تجمع على الصلوات التي تحولت من شعيرة دينية إلى فعل سياسي، فأثرت تأثيرًا أقرب لثورات الربيع العربي، التي نذكر كيف استقبلها الفلسطينيون بالترحاب، وسرعان ما أحاطت بها ثعالب وغربان الاستعمار في بلداننا.

صدام الحرية

ويرى مراقبون أن الصدام الحاصل اليوم هو بين إرادتين أساسيتين: إرادة شعبية مقاوِمة تصارع من أجل الحرية وكرامة الإنسان، وإرادة قمعية تسعى إلى فرض المنوال الاستبدادي الذي يعد امتدادا طبيعيا للمنوال الاستعماري.

وأن الصراع اليوم هو بين الحرية وكل الحالمين بها، وبين أعداء الحرية، وهو ما يجعل من طبيعة المعركة طبيعة وجودية بالنسبة للمتصارعين، وهي كذلك معركة طويلة لأنها لا تتوقف ما لم تحقق الشروط التي من أجلها اندلعت.

وأن النظام الاستبدادي العربي الذي ثارت الشعوب عليه من أجل القطع معه، هو جزء لا ينفصل عن المشروع الاستعماري وعن التمدد الإمبراطوري بكل أشكاله في الدول التي صنعتها اتفاقية سايكس بيكو. هذا النظام الذي سلّم أرض فلسطين للعدو الصهيوني من أجل الجلوس على عرش الدولة الإقليمية، هو نفسه الذي يسهل تمدد المشاريع الإمبراطورية، وهو نفسه الذي يقمع ثورات الحرية والعدالة الاجتماعية.

حصار قطر

ولأن قطر وقفت بالأساس مع حرية العالم العربي، من خلال توفير المنصة الإعلامية الخادمة لمتطلبات الشعوب، فإن محللين يرون أن أزمة الخليج هي عنوان آخر من عناوين تقاطع المشروعين الاستعماري الخارجي والاستبدادي الداخلي، وأنه إذا كانت قطر قد دعمت إعلاميا ثورات الربيع العربي، من خلال وقوف قناة الجزيرة مع مطالب الحرية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات، فإنها اليوم تحصد سبب هذا الدعم، من خلال محاولة قوى الثورة المضادة والدول الداعمة لها فرض الوصاية عليها وعلى سيادتها.

كما أن عدم اعتراف قطر بالانقلاب العسكري الدامي في مصر، هو الذي ساهم في تأليب المنظومة الاستبدادية العربية عليها، وبالتالي فإن حصارها يدخل في إطار محاولة إعادة الاستبداد الذي كان قبل الانفجار التونسي الكبير.

تجريم حماس

وبحسب المراقبين، فإن الحرب قِيميّة شاملة، ليس على الحريات فحسب بل على القواعد المتعارف عليها؛ فالهجوم على حماس وتجريم ما تقوم به، هو تجريم لحق المقاومة للمحتل، كما أنه يناقض المشروعين الاستبدادي والاستعماري؛ لأن المقاومة الفلسطينية التي تعبر عنها حركة حماس هي في الحقيقة فعل شعبي لا ينفصل عن الفعل الشعبي، الذي ظهر جليا في ثورات الشعوب.

لذلك لم يكن غريبًا الصمت العربي من جانب خُدام الاستعمار عما يحدث في المسجد الأقصى، بل لم يكن عجيبًا أن يحاول هؤلاء ركوب الموجة، فهذا الفعل الشعبي للمقدسيين وللفلسطينيين عامة، أثبت أن الأمة حية ولا تزال تقاوم، وأنهم نجحوا من خلال صمودهم ورباطهم في رفع الحصار عن المسجد الأقصى وإمضاء إرادتهم.