حكومة موازية وجيش جديد.. والسيسي لا يُحرّك ساكنا ..هل دخل السودان مرحلة التقسيم الفعلي؟

- ‎فيعربي ودولي

تمثل السودان العمق الاستراتيجي والامتداد الطبيعي لمصر، ومع ذلك نظام المنقلب عبد الفتاح السيسي لا يعطي السودان القدر الكافي من الاهتمام السياسي والاستراتيجي، فلو أن مصر تحركت بسرعة مسؤولية من بداية الحرب منذ أربع سنوات لتم حسم الأمر، وما تعرضت مصر لطوفان اللاجئين، وكان تم حقن الكثير من الدماء التي أزهقت في المعارك العبثية، مع ذلك ما زل نظام الانقلاب يحابي الإمارات الداعم الرئيسي لميلشيات الدعم السريع، الاستقرار في السودان ضرورة استراتيجية لمصر مثل ما هو ضروري لشعب السودان الشقيق. 

منذ يومين، أعلن المجلس الرئاسي لحكومة "تأسيس" في مدينة نيالا بدارفور غرب السودان، خطة لتأسيس جيش جديد نواته مليشيا الدعم السريع والجيش الشعبي لتحرير السودان والحركات المسلحة الموقعة على ميثاق السودان التأسيسي.
المجلس أعلن وضع خطة أيضا لتأسيس قوات الشرطة وجهاز الأمن والاستخبارات، مع تشكيل مجلس للأمن والدفاع، برئاسة حميدتي.
حل زائف لمشكلة حقيقية
إحدى المشاكل الجوهرية للسودان هي سيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم منذ الاستقلال في 56 ما عدا فترات بسيطة نافسه فيها "الأفندية" على حكم البلاد بالانتخابات.
تاريخياً الجيش السوداني كان يقوم بدور الحزب الحاكم، إلى جانب كونه القلب الصلب للدولة، وهو الذي رسم المسار السياسي للبلاد على مدار 7 عقود تقريباً.
الهيمنة العسكرية على البلاد بما فيها الموارد المملوكة للجيش وليس ببريق الإيديولوجيا، أو بالإرادة الحرة للمواطنين، خلق شقاق كبير بين جزء من النخب السياسية والجيش.
وضع الجيش الفريد في السودان راجع للتكوين التاريخي الاستعماري للدولة، مع إلحاق الإنجليز جنوب السودان وجبال النوبة ودارفور بالدولة السودانية، ليصبح الكيان السوداني "في بلد لم يكمل تحديثه" يفتقر لأوليات التجانس العرقي والثقافي والسياسي، بل والتقارب النسبي في التطور الحضاري.
بالتالي كان مركز البلاد الحالي "الشمال" معرض بصورة دائمة لتمرد الهوامش في الجنوب وجبال النوبة ودارفور، بشكل جعل المسألة الأمنية تطغى على المشهد السياسي بشكل دائم، وهذا الذي جعل من الجيش فرس الرهان في مواجهة التحديات الأمنية.
في المقابل جزء معتبر من النخبة السياسية الحالية ترى أن فرصها في الوصول للسلطة معدومة في ظل هيمنة الجيش على الدولة، وأن الحل هو إما تفكيك الجيش وإعادة بناء جيش جديد "استلهاماً للنموذج الإثيوبي" أو الاستعانة بقوة عسكرية موازية تجبر الجيش على التنحي عن المشهد.
من هنا يقدم الدعم السريع نفسه باعتباره القوة العسكرية الموازية التي سوف تطيح بهيمنة الجيش على السلطة ويبنى سودان جديد، ولذلك ديما حميدتي في خطاباته يتكلم عن جيش "جديد لانج"!

 هل الجيوش سواء؟
المعادلة السابق ذكرها أعطت الدعم السريع مشروعية عند جزء من قوى الحرية والتغيير، سواء المشاركين في تحالف تأسيس، أو الداعمين بشكل غير مباشر، لكن في الوقت التي تحلم فيه النخبة المدنية المتحالفة مع الجنجويد بانتزاع الحكم من قبضة الجيش، كانت الدعم السريع بتمثل حالة تهديد وجودي شامل للشعب السوداني خصوصاً في الشمال.
 
هذه الطريقة في التفكير أعادت السياسة السودانية لنقطة الصفر، عبر الاصطفاف الشعبي خلف الجيش باعتباره الجدار الأخير في معمار الدولة والقادر على حماية المكونات الاجتماعية المختلفة من بطش المليشيات، مع التغاضي عن ماضيه المعقد في الحكم.
وبالتالي بقت المفارقة أنه في الوقت الذي المواطن البسيط قدر يلمس طبيعة التهديد الوجودي الذي تواجهه بلاده، لا زال جزء من النخبة السياسي عاجز عن إدراك التحولات ومازال يرى الواقع من عدسة ما قبل 15 أبريل 2023، ويراهن على انتقال سياسي بدعم من الجنجوي.!
من ناحية أخرى بعض الداعمين للميليشيا شعروا بأنه لا سبيل للعودة بعد الانسياق في رهان الجنجويد، وفي تقديرنا واجب الجيش أنه يستقطب السياسيين غير المتحالفين بشكل مباشر مع الجنجويد، ومنحهم الأمان والفرصة، بهدف تفكيك التحالف السياسي للجنجويد, ينبغي أنه يحصل  هذا بالتوازي مع استقطاب الكوادر العسكرية الميدانية خصوصاً من قبيلة المحاميد "استغلالاً لهجوم الميليشيا على "مستريحة" معقل زعيمهم موسى هلال وقتل ابنه حيدر" والمسيرية، أقل القبائل انتفاعاً من الحرب.
في المنظور الأوسع انفراد الدعم السريع بإقليم دارفور وأجزاء من كردفان ويكرس تقسيم السودان ويفرض أمر واقع قد يصعب تغييره لو حصلت هدنة طويلة نسبياً، خصوصاً أن الإمارات مكملة في دعم الميليشيا بالعتاد والمال والسلاح عبر ليبيا وتشاد ومؤخراً تم تفعيل جبهة إثيوبيا.
الإمارات مصرة على خلق دوامة تصعيد في السودان وإطالة أمد الصراع لأطول وقت ممكن، إما للتغلب على الجيش، وده صعب جداً في ظل موازين القوى الحالي، وإما للوصول لاتفاق سلام يمنحها كرسي على الطاولة وصوت في حكم السودان.
في سبتمبر 2025، اتفقت الرباعية "أمريكا ومصر والسعودية والإمارات" على خارطة طريق للسلام تبدأ بهدنة إنسانية ثم وقف دائم لإطلاق النار ومحادثات حول مستقبل السودان السياسي، لكن الحرب لم تقف، وإمدادات الإمارات للمليشيا بالسلاح والذخيرة لم تتوقف بل زادت.
أيضاً انخرطت إثيوبيا "حليفة الإمارات" هي كمان في دعم مليشيا الدعم السريع وتوفير معسكر تدريب وقاعدة للمسيرات، بشكل قد يوسع نطاق الصراع ومداه.
كل هذه التطورات تتطلب من الدول الداعمة للجيش "مصر، السعودية، تركيا" تعزيز دعم الجيش عسكرياً ولوجستياً، وفرض حصار محكم على إمدادات الميليشيا، لإحداث اختراق ميداني قد تنهار الدعم السريع على إثره، وهو أمر ليس مستعبد لو تم إمداد الجيش بالأسلحة المناسبة والمعلومات الاستخبارية مع رقابة فاعلة بالمسيرات المتطورة على الحدود السودانية، لقطع شريان حياة الجنجويد.