تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2025 عن تحولات جذرية وتشوهات تنموية غير مسبوقة في بنية الاقتصاد المصري وسوق العمل. فبينما سجلت النشرة السنوية تراجعاً حاداً في عدد العاملين بقطاع الأعمال العام بنسبة 30% على مدار 8 سنوات (ليهبط من 827 ألف عامل في 2017 إلى 586 ألف عامل في 2025)، اندفعت الكتلة العمالية المسرحة قسرياً إلى الهامش.
هذا الانكماش في المظلة الرسمية للدولة توازى طردياً مع تضخم مرعب في "اقتصاد الظل" أو الاقتصاد غير الرسمي، الذي بات يستحوذ وفقاً لبيانات وزارة التخطيط وتقارير منظمة العمل الدولية على ما بين 30% إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي، مُهيمناً على 50.7% من إجمالي المنشآت الاقتصادية في البلاد، ومستوعباً نحو 60% من إجمالي القوة العاملة في مصر التي باتت تعمل بلا حماية اجتماعية، ولا عقود قانونية، ولا أجور عادلة.
ونبه الصحفي عبدالحميد قطب @AbdAlhamed_kotb إلى أنه عندما سأل أحد المواطنين السيسي عن وعده بتحسن الأوضاع المعيشية والاقتصادية بعد عامين، كان الرد ضحكًا وسخرية، في مشهد يعد إهانة لملايين المصريين الذين ينتظرون تحسناً حقيقياً في حياتهم. وبدلًا من تقديم إجابات واضحة أو الاعتراف بحجم الأزمة، بدا السيسي وكأن معاناة الناس تحولت إلى مادة للتندر، وكأن الرسالة غير المعلنة هي: لا أحد يسأل، ولا أحد يحاسب، ومن صدّق الوعود فعليه أن يتحمل نتائج ثقته.
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2068536741582049671
وللوقوف على الجذور الهيكلية الرقمية التي ربطت بين قرارات الحكومة وتضخم اقتصاد الظل، يتحدث إلينا الدكتور مصطفى شاهين، الخبير الاقتصادي واستشاري التنمية الهيكلية، ليلخص لنا أن "ما يحدث في مصر اليوم ليس مجرد خطة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري أو تقليص تخمة الموظفين كما تزعم الرواية الرسمية، بل هو عملية تشويه تنموي وجغرافي متعمد أنتج اقتصادين متوازيين لا يلتقيان".
ويُفكك الخبير الاقتصادي أبعاد المشكلة عبر ثلاثة محاور أساسية الأول يتعلق بهندسة الطرد واضطرار البقاء في الظل حيث يرى أنه "عندما تقرر الدولة تصفية قلاع صناعية تاريخية مثل الحديد والصلب، وتقلص إنتاج مصانع السكر، وتتخارج من أصول استراتيجية كالموانئ والأسمدة لصالح مستثمرين خليجيين أو رجال أعمال مقربين، فإنها ببساطة تطرد العمالة الفنية والمهنية. وبما أن القطاع الخاص الحقيقي يتعرض للمزاحمة والتضييق، لا يجد العامل أو الخريج مفراً سوى الهروب إلى اقتصاد الظل (ورش غير مرخصة، أنشطة تجارية عشوائية، عمالة يومية). المواطن هنا لا يتهرب من الدولة رغبةً في المخالفة، بل هرب من تعقيدات إدارية وأعباء ضريبية خانقة لا تقدم له في المقابل أي مزايا أو حد أدنى للأجور".
فجوة الثقة و"الموازنة الموازية"
ويرى الخبراء أن الأخطر يكمن في قفز الاستثمارات العامة خارج الموازنة الرسمية إلى 5.3% من الناتج المحلي، مقارنة بـ 2.3% فقط من داخل الموازنة. الدولة هنا تدير تريليونات الجنيهات عبر صناديق خاصة ومشروعات قومية لجهات سيادية، وتقول للمواطن علانية: 'هذه أموال خارج الموازنة ولا تخضع للرقابة ولا تعاملوها كمال عام'. في المقابل، تلاحق الدولة صغار التجار والحرفيين لدمجهم في المنظومة الضريبية الرسمية.
هذا التناقض الصارخ خلق 'فجوة ثقة' عميقة؛ حيث لسان حال المواطن: 'لماذا أدفع ضرائب باهظة لمنظومة لا توفر لي علاجاً في مستشفى رسمي (نسبة عمالة الصحة تدنت لـ 2.6%)، ولا تعليماً حقيقياً، بينما أموال الدولة تذهب لصناديق مغلقة؟'.. النتيجة الحتمية هي الاختباء في الظل".
فخ العقار والنزيف التنموي
وتركت حكومة السيسي الاستثمار الإنتاجي (الصناعة والزراعة التي لا تتعدى عمالتها 3.7%)، وتحولت إلى 'مستثمر عقاري بشرطة' يبحث عن الثراء السريع. وجهت 35.9% من طاقتها العمالية للإسكان الاستثماري والفاخر في مدن جديدة وعاصمة إدارية، مما رفع أسعار الشقق البسيطة (85 متراً) إلى أرقام فلكية تبدأ من 600 ألف وتتخطى المليون. والنتيجة 'تخمة عقارية' جسدها تقرير جهاز المحاسبات بوجود 218 ألف شقة إسكان اجتماعي مغلقة بلا مستفيدين.
هذا التركيز العقاري يعتمد على عمالة مقاولات مؤقتة وموسمية (بلا تأمين أو حماية)، وهو ما يغذي ويوسع قاعدة اقتصاد الظل يومياً، بينما تنزف القطاعات الإنتاجية التي كان يمكنها بناء اقتصاد رسمي مستدام."
فرعون مصر الجديد
كانت قناة Arte الفرنسية-الألمانية قد بثّت فيلمًا وثائقيًا (مدته 54 دقيقة) بعنوان "السيسي: فرعون مصر الجديد" (إنتاج 2025)، يقدم قراءة نقدية حادّة وتشريحًا سياسيًا واقتصاديًا لبنية النظام المصري الحالي بعيدًا عن التغطيات الإعلامية السطحية.
ويعرض الفيلم لقطات حية وتصريحات لمواطنين يخفون وجوههم وأصواتهم، مما يعكس هيمنة مناخ الخوف والقبضة الأمنية بالتوازي مع تدهور مستويات المعيشة وتفاقم الفقر.
ويبرز الفيلم العاصمة الإدارية الجديدة كنموذج صارخ للفجوة بين خطاب "الإنجاز" الرسمي والانهيار الاجتماعي، حيث تُشيّد مدينة فائقة الفخامة في الصحراء على غرار مدن الخليج، في وقت تعاني فيه مصر من أزمة ديون خانقة جعلتها من الأكثر مديونية عالميًا وفقًا لصندوق النقد الدولي.
ويوضح الوثائقي كيف يعيد السيسي إنتاج صورة "الحاكم الفرد المطلق" مستدعيًا البُعد التاريخي للفرعونية لتبرير كلفة المشروعات العملاقة. كما يسلط الضوء على تمدد المؤسسة العسكرية لتصبح القوة الاقتصادية المهيمنة على قطاعات حيوية (قناة السويس، الموانئ، المقاولات، والمشروعات القومية).
ويتضمن العمل شهادات لمعتقلين سابقين ومشاهد مسرّبة من داخل السجون توثق قسوة المنظومة العقابية واستخدام القمع كأداة بنيوية لإدارة الدولة وخنق المعارضة. وينتقد الفيلم التوسع في الاقتراض والاعتماد المستمر على تمويل صندوق النقد الدولي، والاتحاد الأوروبي، والقروض الخليجية لسد العجز، دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على المواطن الذي يسحق تحت وطأة التضخم.
أبرز الشهادات والآراء المستضافة
وتحدث فرانسوا هولاند (الرئيس الفرنسي الأسبق) عن افتتاح قناة السويس الجديدة، مؤكدًا هيمنة الطابع العسكري على الإدارة والقرار في مصر.
كما أكد مهندس فرنسي (شارك في أنفاق القناة) أن المشروعات كانت تُدار بواسطة الجيش بـ"ميزانيات مفتوحة" وكان الهدف هو السرعة الفائقة بغض النظر عن الكلفة.
وتناول يزيد صايغ (محلل سياسي) شرح تحول الدولة إلى ما يشبه "الجيش في الداخل"، مستفيدة من قبول دولي يراها شريكًا في الاستقرار الإقليمي رغم السجل الحقوقي الكارثي.
ويطرح الوثائقي سؤالاً جوهريًا حول مدى قدرة النظام على الاستمرار في ضخ الموارد بمشروعات استعراضية وبهرجة معمارية، في مقابل تآكل الطبقة الوسطى واتساع الفجوة الطبقية، لينتهي العمل بـتحذير ومؤشر مبكر من انفجار اجتماعي محتمل إذا استمرت الهوّة السحيقة بين "دولة القصور والأبراج" و"بلد الشوارع المنهكة".