تستعد بريطانيا الآن للدخول في مرحلة انتقالية حرجة لتسيير الأعمال، وفق ما أعلنه ستارمر في خطاب وداعه مستعرضاً ما اعتبره إنجازات حكومته، ومؤكداً استمراره في إدارة الشؤون التنفيذية لحين انتخاب زعيم جديد لحزب العمال وتشكيل حكومة جديدة، وهو الإجراء المتوقع إتمامه قبل انعقاد المؤتمر السنوي للحزب في سبتمبر المقبل، وتتجه الأنظار بقوة في الوقت الراهن نحو غمار المنافسة على خلافته، حيث يبرز اسم "آندي بورينهام" كأحد أهم وأبرز الأسماء المطروحة لتولي قيادة الحزب ورئاسة الحكومة الجديدة، مستنداً إلى دعم متزايد يحظى به داخل أوساط الحزب والقواعد العمالية عقب عودته الأخيرة إلى مقاعد مجلس العموم. وتفتح هذه الاستقالة فصلاً جديداً قد يعيد رسم توازنات القوى السياسية بالكامل داخل المشهد البريطاني المأزوم بملفاته الاقتصادية والجيوسياسية المتشابكة مع واشنطن وتل أبيب.
وقال محللون: إن "الساحة السياسية البريطانية تشهد مرحلة من الغليان التاريخي عقب الإعلان الرسمي عن استقالة رئيس الوزراء وزعيم حزب العمال، كير ستارمر، وتأتي هذه الخطوة لتسلط الضوء على عمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها المملكة المتحدة منذ ما يقرب من العقد، وتحديدًا منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، ولم تكن هذه الاستقالة نتاج عوامل داخلية بحتة، بل تقاطعت بشكل وثيق مع متغيرات جيوسياسية عاصفة، أبرزها الضغوط الراديكالية القادمة من واشنطن بقيادة دونالد ترامب، والملفات الإقليمية الشائكة المرتبطة بدوائر النفوذ في تل أبيب وتداعيات حرب غزة".
إرث المحاور المغلقة
جاءت استقالة كير ستارمر نزولًا عند رغبة نواب حزبه بعد تصاعد الضغوط الداخلية، وسحب أكثر من مائة نائب عمالي ثقتهم في قيادته بشكل مباشر، مطالبين بفتح الباب فوراً لاختيار زعيم جديد للحزب، ولم يكن هذا الانقلاب الداخلي مفاجئًا للمراقبين، بل كان نتاجًا لتراكمات حادة داخل أروقة حزب العمال وصراع الأجنحة الأيديولوجية فيه.
وفي تفكيك الجذور التنظيمية لهذا السقوط، قدم الكاتب والمحلل علي الوذين عبر @alwoothain قراءة تفصيلية اتهم فيها ستارمر بالصعود عبر قنوات النفوذ الموالية لتل أبيب، وأوضح الوذين عبر حسابه أن ستارمر يواجه حاليًا تداعيات "انقلاب داخلي" يشبه تمامًا السيناريو الذي قاده بنفسه سابقًا لرحيل رئيس الحزب السابق جيريمي كوربن ليتولى هو رئاسة الحزب ثم الحكومة عقب انتخابات 2024.
وأضاف الوذين أن ستارمر حظي بدعم قوي من التيار الصهيوني في دوائر النفوذ البريطانية، وأثبت خلال فترة حكمه ولاءً تاماً لمصالح الصهاينة عبر دعم ما وصفه بـ "مذبحتهم في غزة" ومد تل أبيب بالسلاح. وأشار إلى أنه بدلاً من إطلاق إصلاحات اقتصادية حقيقية لانتشال البلاد، تبنى ستارمر أفكاراً يمينية عنصرية تدافع عن مصالح الطبقات الثرية وتلقي بلائمة الأزمات والنكبات الاقتصادية على المهاجرين.
وربط الوذين سقوط ستارمر بملف آخر يتعلق بأقطاب هذا التيار داخل الحزب، مذكراً بأهمية إلقاء القبض على بيتر ماندلسون، كونه يمثل أحد أعمدة هذا النفوذ الذي قاد مع تلميذه مورغان مكسويني عملية الإطاحة التاريخية باليساري كوربن بسبب مواقفه الداعمة لفلسطين والتي اعتبرت آنذاك تهديداً لصهاينة الحزب.
الضغوط الترامبية
وبالتوازي مع التصدع الداخلي، واجهت حكومة ستارمر ضغوطًا خارجية غير مسبوقة قادمة من واشنطن، وتحديدًا من تصريحات وتوجهات دونالد ترامب التي تسببت في إدخال العواصم الأوروبية في حالة من الارتباك الإستراتيجي الشديد وشعور متزايد بانهيار منظومة الأمن القومي الأوروبي.
واستعرض الحقوقي والسياسي أسامة رشدي المقيم بين لندن واسطنبول هذه التطورات بدقة، لافتاً إلى أن تصريحات ترامب أشعلت عاصفة بعد وصفه لدول أوروبا بأنها "ضعيفة ومتآكلة"، وتحميلها مسؤولية استمرار الحرب في أوكرانيا، معتبراً إياها تضع السلام في خطر جسيم.
ورغم رفض 10 داونينغ ستريت (مقر الحكومة) لهذه التصريحات ومحاولة ستارمر احتواء الموقف عبر لقاء السفير الأمريكي، إلا أن ترامب صعد هجومه ووصف أوروبا بـ "الأمم المتداعية" للضغط عليها لتخفيف معارضتها لخطته بشأن أوكرانيا، مانحاً الرئيس الأوكراني أياماً قليلة للرد على مقترح يتضمن التنازل عن أراضٍ مقابل ضمانات أمنية غامضة للتوصل إلى اتفاق قبل عيد الميلاد.
ونبه رشدي @OsamaRushdi إلى أن الأخطر في هذا المشهد هو رصد تقارب أمريكي-روسي محتمل قد يعيد ترتيب الأمن الدولي دون اعتبار لمصالح الأوروبيين، وهو السيناريو الذي ينظر إليه في لندن وبرلين وباريس كاختبار خطير يعيد القارة إلى الهامش أمام صفقات القوى الكبرى ويضعف حلف الناتو، في ظل مشهد أوروبي مرتبك بين صعود اليمين المتطرف والأزمات الأمنية غير المسبوقة وأزمة الثقة المتعمقة.
وأضاف أنه لم تتوقف الضغوط الترامبية عند الأمن، بل شملت الجانب الاقتصادي؛ حيث أشار أسامة رشدي إلى تحذيرات ترامب لبريطانيا وأوروبا وكندا من تنمية العلاقات مع الصين والهند، ووصف ترامب توسيع بريطانيا لعلاقاتها التجارية مع بكين لخفض الرسوم الجمركية بأنه "أمر خطير جداً"، معتبراً أن على لندن -بعد البريكست- أن تظل ملحقة بالقرار الاقتصادي الأمريكي حتى وهي تدفع ثمن الانفصال عن أوروبا.
والمفارقة هنا أن سياسات ترامب وفرضه للحروب التجارية والرسوم الجمركية وممارسته الابتزاز ضد الحلفاء هي ما قوض الثقة في المؤسسات الدولية، ولم تترك أمام هذه الدول ترف الاختيار بل دفعتها اضطراراً لتنويع الشراكات وتأمين سلاسل التوريد والبحث عن أسواق بديلة في الصين والهند، ليعود ترامب ويصف ذلك بالخطر وكأنه يطالبهم بالتبعية المطلقة لنظام لا يحترم أحداً، متجاهلاً أن العالم لم يعد يقبل بالقطبية الواحدة وتغيرت مراكز ثقله الاقتصادي.
https://x.com/OsamaRushdi/status/2068982746358161741
تشابك الاقتصاد والملفات الخارجية
ورغم الأبعاد الدولية والسياسية الواضحة في مشهد السقوط، يجمع الخبراء على أن المحرك الأساسي للاضطراب السياسي في لندن يكمن في البنية الاقتصادية المتهالكة ومعدلات النمو الضعيفة للغاية التي تسببت في الإطاحة بسبعة قادة حكومات متعاقبين خلال العقد الأخير، مما جعل القضايا المعيشية هي المعيار الحاسم في بقاء الحكومات.
وفي هذا السياق، قدم الباحث السياسي د.علاء بيومي تحليلاً هيكلياً يفكك أسباب الأزمة، مؤكداً أن سقوط ستارمر لم يكن بسبب ملف غزة بشكل أساسي؛ فرغم أن قضية غزة تمثل محوراً رئيسياً للعرب والمسلمين في بريطانيا باعتبارهم كتلة انتخابية معتبرة شهدت حراكاً ضخماً وتظاهرات واسعة، إلا أنها لا تشكل القضية المحركة للشعب البريطاني ككل.
وأوضح بيومي عب @Alaabayoumi أن تزايد معدلات الفقر وتراجع مستويات النمو دفع الشارع للغضب والهروب نحو حلول ومسوغات مؤقتة مثل التركيز على الهجرة أو الخروج من الاتحاد الأوروبي أو تقليل الإنفاق الحكومي، وهي التوجهات السياسية التي عقّدت الأزمة الاقتصادية وعمقت الغضب الشعبي، وقادت بالتالي إلى تفشي الفشل في عدة حكومات متتالية عجزت عن تقديم حلول واضحة وسريعة، مما عجل بتصاعد الضغط وسقوط ستارمر وحكومته في نهاية المطاف.
وعزز هذا الطرح المستشار الدكتور مراد علي، بوضعه الأزمة الحالية في سياق تاريخي أوسع يمتد منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 2016، وأشار إلى أن تعاقب سبعة رؤساء وزراء على داونينغ ستريت خلال عشر سنوات فقط يعكس حالة تآكل كامل في الاستقرار وتراجعاً حاداً في الثقة بالمؤسسات السياسية الراهنة.
وأكد مراد علي @mouradaly أن الوعود البراقة التي بذلها أنصار "البريكست" للبريطانيين بفتح عصر جديد من الاستقرار والازدهار الاقتصادي واستعادة النفوذ العالمي، تحولت في الواقع العملي إلى دوامة من الأزمات الاقتصادية والسياسية المستمرة، وصعود حاد ومتسارع للحركات الشعبوية، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كانت بريطانيا العظمى قد سقطت للأبد أم أنها تمتلك القدرة على استعادة استقرارها وثقتها المفقودة قريباً.