التطويق الإستراتيجي لإيران .. تقارير غربية: تموضعات عسكرية صهيونية في أذربيجان وصوماليلاند

- ‎فيعربي ودولي

تكشف التقارير الاستخباراتية المسربة الصادرة عن موقع Middle East Eye، عن تحول نوعي جوهري في الإستراتيجية العسكرية والأمنية لإسرائيل في مواجهة إيران وحلفائها الإقليميين، وتوضح هذه البيانات أن تل أبيب لم تعد تكتفي بالدفاع الصاروخي أو الهجمات المرتدة، بل نجحت في تشييد "طوق محيطي" وشبكة من القواعد والمواقع العسكرية والاستخباراتية السرية والمتقدمة في عدة دول ومناطق تحيط بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحديدًا في أذربيجان، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية أرض الصومال (صوماليلاند) الانفصالية، والعراق، مما يمنح جيش الاحتلال قدرات تغلغل ووصول غير مسبوقة على امتداد المحاور الشمالية والجنوبية والغربية لعمق الأراضي الإيرانية.

الأهمية الإستراتيجية لصوماليلاند ومواجهة الحوثيين

 

وفقًا لما أورده موقع Middle East Eye، تُعد جمهورية أرض الصومال (صوماليلاند) الانفصالية المحور الأكثر أهمية وإستراتيجية للكيان في منطقة القرن الأفريقي؛ إذ وفرت لها موطئ قدم عسكري واستخباراتي حيوي يطل مباشرة على الممرات المائية الحساسة.

وتكشف التقارير الصادرة عن مسؤول حكومي صومالي رفيع المستوى، ونقلها موقع Middle East Eye، أن الاحتلال نشر مجموعة تضم 50 جندياً من قواتها في أرض الصومال في وقت سابق، وتحديدًا عقب فترة وجيزة من الاعتراف المتبادل واستئناف المواجهة العسكرية مع إيران في أواخر شهر فبراير.

https://www.middleeasteye.net/news/israel-deployed-troops-somaliland-after-recognition-official

ولضمان سرية التحرك، أشارت التقارير الاستخباراتية الصومالية أن جيش الاحتلال اختار هؤلاء الجنود بعناية من ذوي الأصول الأفريقية، وتحديداً من الطائفة الإثيوبية، بهدف تسهيل اندماجهم في المجتمع المحلي وعدم لفت انتباه المراقبين أو القوى المناهضة، وتتكامل هذه الخطوة مع تصريحات وزير دفاع الكيان "يسرائيل كاتس" التي نشرها Middle East Eye، حيث أكد رسمياً أن "إسرائيل" وأرض الصومال تتعاونان "بعيداً عن الأضواء" وفي خفاء تام منذ سنوات طويلة في سلسلة من العمليات الأمنية المشتركة، وأن الطرفين عازمان على رفع مستوى هذا التعاون الأمني صراحة لما يخدم مصالحهما واستقرار المنطقة، وهو ما أكده أيضاً وزير دفاع أرض الصومال بالإشارة إلى تلقي قواته العسكرية والشرطية تدريبات ودعماً مباشراً من الكيان.

 

ويتجاوز الهدف الصهيوني في صوماليلاند مجرد المراقبة؛ إذ يجمع الخبراء والمتابعون لهذا الملف في تقارير شبكة CNN على أن الكيان يسعى بقوة للحصول على قاعدة بحرية دائمة ومطلة على مياه البحر المحيطة بالقرن الأفريقي، بهدف خلق توازن عسكري ومواجهة التهديدات الأمنية والملاحية المتصاعدة التي يفرضها الحوثيون من اليمن، كما يمنح هذا التواجد طائرات سلاح الجو في الكيان نقطة توقف وإعادة تزود محتملة بالوقود خلال الرحلات الجوية بعيدة المدى المتجهة لضرب أهداف في العمق الإيراني، مستفيدة من التواجد التجاري والعسكري الواسع النطاق الذي تحظى به دولة الإمارات في مدينة بربرة الساحلية الإستراتيجية.

الكوماندوز والموساد على الحدود الإيرانية

 

ويمثل التواجد الصهيوني السري في جمهورية أذربيجان المحور الثاني من هذا الطوق الإستراتيجي، نظرًا للالتصاق الجغرافي المباشر بالحدود الشمالية لإيران، وتكشف المعطيات التي انفردت بنشرها شبكة CNN أن "إسرائيل" نشرت وحدات عسكرية واستخباراتية من النخبة في عدة مواقع في جنوب أذربيجان، حيث كانت أقرب نقطة تمركز تبعد نحو 60 ميلاً فقط عن مدينة تبريز الإيرانية الحيوية التي كانت هدفاً للضربات الصهيونية.

 

وضمت هذه القوة السرية، بحسب مصادر CNN، بضع عشرات من الجنود، شملت عناصر من القوات الخاصة الصهيونية، وقوة النخبة للعمليات القاتلة والإنقاذ المحمولة جواً، بالإضافة إلى أفراد متفرغين من جهاز المخابرات الخارجية "الموساد"، واعتمدت هذه الوحدات على تنفيذ مهام نوعية لجمع المعلومات الاستخباراتية الحية، وإدارة وتسيير عمليات الطائرات المسيرة (الدرونز)، مما أتاح لتل أبيب موقعاً متقدماً لمراقبة دقيقة للتحركات العسكرية والمنشآت الحساسة في شمال إيران إبان فترة الحرب.

 

ووفقاً لتقرير شبكة CNN، تعود هذه التموضعات الجديدة إلى منتصف شهر يناير، حيث استغلت تل ابيب انشغال طهران بقمع احتجاجات داخلية واسعة لإعداد مهمة سرية تمهيدية لزرع أجهزة تنصت ومعدات استخباراتية متطورة على الحدود.

ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألغى الضربات العسكرية المنسقة التي كانت مقررة في منتصف يناير في اللحظة الأخيرة، إلا أن القيادة السياسية الصهيونية مضت قدماً في تنفيذ الخطة بشكل منفرد عبر استخدام طائرات الشبح وقوات الكوماندوز، اعتقاداً منها بفشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية. وقد آتت هذه الشبكة ثمارها العملياتية من خلال رصد تحركات الصواريخ وتقديم إنذارات مبكرة، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات اغتيال نوعية انطلقت من الأراضي الأذربيجانية، أبرزها مقتل "رحمن مقدم"، القيادي في قسم الاستخبارات التابع للحرس الثوري الإيراني في الرابع من مارس، والذي اتهمته تل أبيب بالتخطيط لمحاولة اغتيال دونالد ترامب.

 

https://oc-media.org/israel-sent-troops-to-azerbaijan-during-iran-war-sources-tell-cnn/

جدل استخبارتي

وأحدث الكشف عن هذه التفاصيل الاستخباراتية الدقيقة حالة من الهلع الدبلوماسي والأمني داخل الأوساط الصهيونية؛ حيث سارعت وزارة الخارجية في الكيان إلى نفي هذه الأنباء جملة وتفصيلاً، بالتزامن مع استنفار واسع للحسابات الإلكترونية التابعة لها للتشهير بالمنصات والجهات الناشرة للتقارير وتكذيبها.

وأورد موقع Middle East Eye أن هذا الارتباك ورد الفعل العنيف يعززان بشكل تلقائي صحة ومصداقية المعلومات المسربة، ويفسران حجم القلق الأمني والاستخباري البالغ لدى تل أبيب من تعرض قواتها ووحداتها السرية المنتشرة في عمق أراضي القرن الأفريقي وأرض الصومال للخطر أو الاستهداف المباشر من قبل الفصائل الموالية لإيران بعد أن أصبحت مواقعها وتحركاتها مكشوفة للعلن. لقد تحولت هذه التمركزات، التي خُطط لها في البداية لتكون مجرد فرق إنقاذ محتملة للطيارين والقوات في حالات الطوارئ، إلى مراكز عسكرية واستخباراتية دائمة لجمع المعلومات وتنفيذ الضربات، مما يجعل كشفها بمثابة ضربة قوية لسرية العمليات الإسرائيلية الخارجية.

نظام إقليمي جديد

 

تؤدي عمليات الانتشار السرية والمتقدمة لجيش الاحتلال على المحيط الجغرافي لإيران، والتي وثقتها تقارير شبكة CNN وموقع Middle East Eye، إلى إعادة رسم ديناميكيات العلاقات الأمنية والتحالفات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بالكامل، وتكشف هذه التطورات عن مدى انخراط الدول المجاورة لإيران -سواء بعلم ورضا حكوماتها أو بدون إذن منها- في تسهيل العمليات العسكرية المباشرة ضد طهران والانغماس في أتون الصراع الإقليمي.

 

وفي ظل هذه المعطيات، يظهر المشهد الدولي في حالة تحول جذري؛ إذ لم تعد القوى الإقليمية قادرة على البقاء في منطقة رمادية، وباتت أراضيها وموانئها جزءاً من رقعة الشطرنج العسكرية بين تل أبيب وطهران.

وهذا التغلغل من جانب الكيان والمسنود بقدرات تكنولوجية ولوجستية، يضعف من فكرة الاحتواء الدبلوماسي، ويؤكد أن موازين القوى يُعاد صياغتها عبر بناء تحالفات سرية وقواعد متقدمة تخترق الحدود التقليدية وتفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً يتجاوز أطر الأمن القومي الكلاسيكية المعمول بها منذ عقود.