كيف استغل السيسى “الدعاية السوداء ” فى التمهيد للانقلاب على الرئيس مرسى .؟!

- ‎فيتقارير

خلال فترة حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي استغل  السيسي وزير الدفاع حينها حاجة المصريين السريعة لرؤية مكتسبات الثورة تتحقق على الأرض، مستخدما أساليب الدعاية والبروباجندا في تسويق نفسه والجيش لقيادة البلاد، وقام بالانقلاب الغاشم على الحكومة المدنية المنتخبة في صيف 2013، موهما المصريين بتحسن الأحوال، ولكنه تمادى في البروباجندا وتضليل الشعب إلى الآن، فلم ترَ  البلاد في عهده تقدما ولا رفاهية، ولكنها شهدت في عهدة أرقام الديون ارتفاعا مستمرا، بسبب السياسات القائمة على الدعاية لمشروعات عقارية  وشراكات مشبوهة مع الدول  التي دعمت انقلابه فأفقد الوطن حريته واستقلال قراره.
ليست البروباجندا في جوهرها مجرد أداةٍ إعلاميةٍ لترويج فكرةٍ أو تسويق موقفٍ سياسي أو تعبئة جمهورٍ حول قضيةٍ ما، بل هي حين تتلبّس دوجماتيّة غيبيّة مغلقة على ذاتها، تتحوّل إلى منظومةٍ متكاملةٍ لإعادة تشكيل الواقع وفق مقتضيات الأيديولوجيا، لا وفق معايير الحقيقة، عند هذه النقطة، لا يعود الصراع على الوقائع، بل على المعاني، ولا يصبح التنافس على السياسات، بل على تعريف المفاهيم نفسها.

 هنا تكمن الخطورة الوجوديّة الكبرى، حين يُغتال المعنى، تُغتال الحقيقة، وحين تُغتال الحقيقة، يُصبح المجتمع رهينة وهمٍ جماعي يُدار بوصفه يقيناً مطلقاً.
إنّ أكثر ما يميّز البروباجندا الدوجمائية أنها لا تكتفي بتشويه الوقائع، بل تسعى إلى احتلال فضاءات التأثير التواصليّ بأكملها، من الإعلام إلى التربية، ومن الثقافة إلى الخطاب الديني والسياسي، بحيث تُنتج بيئة معرفية مغلقة لا تسمح بطرح الأسئلة، ولا تقبل المراجعة، ولا تحتمل النقد. في هذه البيئة، تتحول اللغة إلى سلاحٍ فاعل في إعادة هندسة الوعي الجماعي، فتُستبدل المفاهيم بمفاهيم مضادة لها، ويُعاد تعريف الواقع بما يخدم استمرار المنظومة الأيديولوجية لا بما يعكس حقيقة الوقائع.
هكذا يصبح ممكناً أن تُقدم الهزيمة على أنها انتصار، لا لأن الوقائع الميدانيّة تشير إلى ذلك، بل لأن الاعتراف بالهزيمة يُهدد بنية السرديّة العقائديّة، ويصبح القتل عدالة، لأن الضحيّة تُجرد من إنسانيتها ويُعاد تصنيفها في خانة العدوّ المطلق، وتتحول الشراكةُ غلبة، لأن الآخر لا يُنظر إليه بوصفه شريكا في الوطن، بل منافسا يجب إخضاعه أو احتواؤه أو إلغاؤه.

 في السياق نفسه، يُستبدل الميثاق بالفيتو، فتُختزل الحياة الوطنية بمنطق التعطيل لا بمنطق التوافق، وتُقدم الاستباحة على أنها مناصرة، فتُبرر الهيمنة باسم الحماية، ويُسوق التسلط بوصفه تضامنا، ويُصبح الدستور تهديدا لأنه يضع حدوداً للسلطة، فيما تحتاج البروباجندا إلى سلطة مطلقة لا تحدّها المؤسسات ولا تضبطها القواعد.
تبلغ الأزمة ذروتها حين يُعاد تعريف السلم الأهلي باعتباره ابتزازا، والسيادة باعتبارها انتماء عابرا للحدود، فبدلا من أن تكون السيادة إطارا جامعا للمواطنين جميعا، تُختزل في ولاءات تتجاوز الدولة وتتنافس معها على الشرعيّة والقرار والوظيفة، وعوض أن يكون السلم الأهلي مساحة للتلاقي بين المكونات الوطنية، يتحوّل إلى أداة لإسكات الاعتراض وتجريم النقد وفرض الأمر الواقع.
أمّا التحرير، فيُعاد تعريفه احتلالا للعقول قبل أن يكون احتلالاً للأرض، والوطنية تُصوَّر خيانة كلما اصطدمت بمشروعٍ عابر للدولة، والدولة نفسها تُقدم بوصفها عائقا أمام "المقاومة" أو "الثورة" أو "القضية"، فيما تُمنح اللادولة صفة الشرعية والقداسة.

وهكذا تتقدم البُنى الموازية على المؤسسات، وتُستبدل المرجعيات الدستورية بمنظومات فوق دستورية لا تخضع للمساءلة.
في هذا النموذج البروباجنديّ، لا تعود الحقيقةُ قيمة موضوعيّة قابلة للفحص والتحقق، بل تصبح وهما قابلا للتصنيع والتوزيع والتكرار، وكلما تكرر الوهم، ازداد حضوره في الوعي العام بوصفه حقيقة بديلة، من هنا تنشأ ظاهرة الرأي العام المفكوك عن الواقع؛ رأي عام يعيش داخل سردية مغلقة لا تتفاعل مع الوقائع، بل تعيد تفسيرها باستمرار بما يحفظ تماسك العقيدة السياسيّة.

هنا تُستبدل الشرعية بالاغتيال، لا بمعناه الجنائي فحسب، بل بمعناه الرمزي أيضاً، إذ يصبح جزءا من عملية إعادة تشكيل المجال العام، ويُصبح التفاوض حربا لأن أي تسوية تُفسَّر باعتبارها تنازلا، وأي مقاربة عقلانية تُصوَّر ضعفا أو خيانة.

في المقابل، يُقدَّم الدمارُ بناءً، لأن الاعتراف بحجم الخراب يستوجب مراجعة المشروع الذي أنتجه.

 إنّ النتيجة الطبيعية لهذا المسار هي إنتاج رأي عام منفصل عن الواقع، عاجز عن التمييز بين الوقائع والتفسيرات، وبين الحقائق والروايات، وبين الدَّولة والمشروع الموازي لها.

 ويصبح المواطن أسيرَ سردية تمنحه شعورا نفسيا بالتفوّق والانتصار، فيما هو يرزح تحت وطأة الانهيار والفقر والعزلة والتهميش وفقدان المؤسّسات.
من منظور السياسات العامة، لا يمكن مواجهة هذا النمط من البروباجندا عبر بروباجندا مضادّة.

الصراع الحقيقي ليس بين روايتين متنافستين فحسب، بل بين منهجين مختلفين في فهم السياسة والمجتمع والدولة.

البروباجندا تعيش على التعبئة، أمّا الحقيقة فتعيش على المعرفة.

البروباجندا تحتاج إلى جمهورٍ من المصدّقين، أمّا الدولة فتحتاج إلى مواطنين أحرارٍ قادرين على التفكير النقديّ والمساءلة والمشاركة

.
من هنا، يصبح الانتقال من السردية البروباجندية إلى السردية الوطنية مسارا معرفياً وأخلاقياً قبل أن يكون مساراً سياسياً.

 فالسياسة التي تُفصل عن الأخلاق تتحوّل إلى إدارة للقوة.

أمّا السياسة المرتبطة بالأخلاق فتصبح إدارة للصالح العام، وإعادة الأخلاق إلى الفعل السياسيّ ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً تأسيسياً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

تبدأ هذه العملية بإعادة الاعتبار للحقيقة بوصفها قيمة عامة، الحقيقة ليست ملكا لفريق سياسي أو طائفة أو جماعة عقائدية،  إنّها ثمرةُ البحث الحر، والنقاش المفتوح، والمحاسبة الشفّافة، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء.

 والمجتمعات التي تفقد علاقتها بالحقيقة تفقد تدريجيّاً قدرتها على إنتاج المستقبل.

 كما تقتضي هذه العمليّة إعادة بناء المنظومة التربوية والثقافية على أساس المواطنة النقديّة لا التلقين العقائديّ.

فالمعركة ضد البروباجندا لا تُحسم في نشرات الأخبار فقط، بل في المدارس والجامعات ومراكز الأبحاث ومنابر الثقافة والفنون.

إنّها معركة على العقل قبل أن تكون معركة على السلطة.

ويتطلّب الأمر أيضاً تطوير سياساتٍ إعلامية تعزز الشفافية والتعددية والمساءلة، وتمنع احتكار المجال العامّ من قبل منظومات التضليل.

 فالإعلام ليس مجرد ناقلٍ للمعلومات، بل أحد أهم المؤسّسات الحارسة للحقيقة في المجتمعات الديموقراطيّة.
غير أن كل هذه المسارات تبقى ناقصة ما لم تلتقِ في مشروعٍ وطني جامعٍ يُعيد تعريف السياسة باعتبارها خدمةً للشأن العام لا إدارة للغلبة.

الدولة التي نحتاجها ليست دولة الطوائف ولا دولة المحاور ولا دولة الأيديولوجيات المغلقة، إنّها دولة المواطنة السيّدة الحرّة العادلة المستقلة، الدولة التي يكون فيها الإنسان قيمة عليا، والدستور مرجعية نهائية، والمؤسسات إطارا ناظما، والسيادة تعبيراً عن الإرادة الوطنيّة الجامعة.

إنّ بناء هذه الدولة ليس قراراً إداريّاً ولا تسويةً سياسيّةً عابرة، إنّه مسارٌ مفاهيمي وثقافي وتربوي طويلُ الأمد، يبدأ من تحرير الوعي من أسر البروباجندا، ويمرّ باستعادة المعاني الأصيلة للمفاهيم الوطنيّة، وينتهي بتكريس دولةٍ تُدار بالقانون لا بالأوهام، وبالشرعيّة لا بالقوّة، وبالمواطنة لا بالولاءات العابرة للحدود.
في كُلّ ما سبق وحده، تتراجع البروباجندا إلى حجمها الطبيعي كأداة دعائيةٍ محدودة التأثير، وتستعيد الحقيقة مكانتها بوصفها الركن المؤسِّس لأيّ نهضةٍ وطنيّةٍ مستدامة.

 الأوطان لا تُبنى بالأوهام مهما ارتفع ضجيجها، بل بالحقائق مهما كانت موجعةً، والحقيقة قد تُستشهَد زمناً تحت وطأة الاستِشراس البروباجندي، لكنها تبقى القادرة وحدها على إنقاذ المجتمع من السقوط في عبادة الوهم، وفتح الطريق نحو دولة المواطنة التي يتصالح فيها الإنسان مع ذاته، والوطن مع دولته، والسياسة مع الأخلاق.