هل يورّط السيسي الجيش المصري في مستنقع اليمن؟.. مخاوف من حرب جديدة تحت شعار حماية السعودية

- ‎فيتقارير

تتصاعد المخاوف من احتمال انخراط الجيش المصري في مواجهة عسكرية جديدة باليمن، بعد تصريحات المنقلب السيسي بشأن استعداد القاهرة للتحرك دفاعًا عن المملكة العربية السعودية، وفقًا لتوجيهات القيادة السعودية، في تطور يثير تساؤلات بشأن حدود الالتزام العسكري المصري، وطبيعة المهام التي قد تُكلَّف بها القوات المسلحة، والتداعيات المحتملة على الأمن القومي والاقتصاد المصريين.

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة واحدة من أكثر التجارب العسكرية إثارة للجدل في التاريخ المصري الحديث، وهي حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي، عندما تحول تدخل عسكري بدأ بأهداف محدودة إلى استنزاف طويل للقوات المصرية، قبل أن تنسحب القاهرة دون تحقيق جميع أهدافها السياسية والعسكرية.

وبينما لا خلاف على أهمية العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسعودية، أو حق المملكة في حماية أراضيها ومواطنيها من الهجمات الحوثية، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا يتعلق بما إذا كان دعم الرياض يستلزم مشاركة عسكرية مصرية مباشرة في الحرب اليمنية، أم أن المصالح المصرية تقتضي الاكتفاء بإجراءات دفاعية محددة، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي لوقف التصعيد.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ظل الأزمات الاقتصادية التي تواجهها مصر، والخسائر التي تكبدتها قناة السويس نتيجة اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، فضلًا عن احتمال تحول أي مشاركة عسكرية إلى مواجهة مفتوحة مع الحوثيين، وربما أطراف إقليمية أخرى.

 

تصريحات السيسي.. هل أصبحت مصر على أعتاب الحرب؟

أثارت تصريحات السيسي، خلال حفل تخرج دفعات من الأكاديمية العسكرية، جدلًا واسعًا بشأن مستقبل الدور العسكري المصري في اليمن، بعدما أعلن أن مصر ستتصرف وفقًا لتوجيهات العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، لحماية المملكة والدفاع عنها.

ورغم تأكيده ضرورة وقف الحرب وخفض التصعيد، فإن حديثه عن إمكانية طلب تفويض من مجلس النواب لاتخاذ إجراءات عسكرية إذا طلبت السعودية ذلك، فتح الباب أمام احتمالات تتجاوز الدعم السياسي والدبلوماسي التقليدي.

وزاد من أهمية هذه التصريحات إعلان مجلس الدفاع الوطني، في اليوم التالي، التضامن الكامل مع المملكة العربية السعودية، والاستعداد لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة، بالتوازي مع تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لتسوية الأزمة.

غير أن هذه المواقف، على أهميتها، لا تكفي وحدها للجزم بأن مصر قررت بالفعل إرسال قوات إلى اليمن، إذ تظل طبيعة التدخل المحتمل وحجمه وأهدافه غير واضحة في غياب إعلان رسمي تفصيلي.

ويطرح الحديث عن تفويض برلماني تساؤلات بشأن الدور الحقيقي لمجلس النواب في مناقشة قرار بهذه الخطورة، وما إذا كان سيخضعه لتقييم سياسي وعسكري واقتصادي شامل، أم سيكتفي بالموافقة على توجه حسمته السلطة التنفيذية مسبقًا.

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على ضوابط لإعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، بما يجعل تحديد الطبيعة القانونية لأي مهمة عسكرية محتملة مسألة أساسية لا يمكن تجاوزها.

فالتفويض باستخدام القوة العسكرية ليس إجراءً بروتوكوليًا، وإنما قرار يتعلق بحياة الجنود المصريين، وباحتمالات تعرض الأراضي والمنشآت الحيوية المصرية لهجمات انتقامية، فضلًا عن الالتزامات السياسية والاقتصادية التي قد تترتب عليه.

 

التحالف مع السعودية.. بين المصالح المشتركة ومخاطر التبعية العسكرية

لا يمكن فصل احتمالات التدخل المصري عن طبيعة العلاقات بين القاهرة والرياض، خصوصًا منذ وصول السيسي إلى السلطة عام 2013، حين قدمت السعودية ودول خليجية أخرى دعمًا ماليًا واقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا للنظام المصري.

وشملت المساندة الخليجية ودائع وقروضًا واستثمارات ساهمت في دعم الاحتياطيات النقدية وتخفيف الضغوط الاقتصادية، بالتوازي مع تنامي التعاون السياسي والعسكري بين القاهرة والعواصم الخليجية.

لكن هذا الارتباط يثير سؤالًا بشأن الحدود الفاصلة بين التحالف الاستراتيجي القائم على المصالح المتبادلة، وبين الانخراط في صراعات عسكرية قد تتجاوز المصالح المباشرة للدولة المصرية.

فأمن السعودية يمثل عنصرًا مهمًا في استقرار منطقة الخليج، وأي تهديد واسع للمملكة قد ينعكس على الاقتصاد المصري وأسواق الطاقة والاستثمارات وتحويلات العاملين بالخارج.

غير أن أهمية حماية السعودية لا تعني بالضرورة أن تصبح القوات المسلحة المصرية طرفًا مباشرًا في حرب استنزاف طويلة داخل الأراضي اليمنية.

ويكمن التحدي في تحديد طبيعة المساعدة التي تستطيع القاهرة تقديمها، ومدى ارتباطها بمصالح مصر الأمنية، وما إذا كانت ستضيف قدرة عسكرية حاسمة إلى ما تمتلكه السعودية بالفعل.

 

لماذا تحتاج السعودية إلى تدخل عسكري مصري؟

تثير احتمالات المشاركة المصرية تساؤلات بشأن الاحتياجات العسكرية الفعلية للسعودية، خصوصًا في ضوء الإنفاق الدفاعي الضخم للمملكة، وحجم ترسانتها من الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي والأسلحة الحديثة.

وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI»، جاءت السعودية ضمن أكبر مستوردي الأسلحة في العالم خلال الفترة من 2021 إلى 2025، وهو ما يعكس حجم الاستثمارات السعودية في تطوير قدراتها العسكرية.

ومع ذلك، فإن امتلاك الأسلحة المتطورة لا يضمن وحده تحقيق الانتصار في الحروب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواجهة جماعات مسلحة تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة وحرب العصابات.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي يفترض أن تجيب عنها السلطات المصرية قبل اتخاذ أي قرار بالتدخل:

ما القدرات التي يمكن للجيش المصري تقديمها ولا تستطيع السعودية توفيرها؟ وهل يتعلق الأمر بالدفاع الجوي، أم بتأمين المنشآت الحيوية، أم بحماية الملاحة البحرية، أم بالمشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن؟

وإذا كانت المهمة دفاعية، فما حدودها الجغرافية والزمنية؟ وهل ستقتصر على حماية الأراضي السعودية، أم يمكن أن تتوسع لتشمل ضرب مواقع الحوثيين أو المشاركة في عمليات برية؟

والأهم، ما الضمانات التي تحول دون تحول مهمة محدودة إلى التزام عسكري مفتوح يصعب الانسحاب منه؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل طبيعة الحرب اليمنية، التي أثبتت خلال سنوات طويلة أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يكفي لإنهاء الصراع أو فرض تسوية سياسية مستقرة.

 

شبح التدخل البري.. هل يتكرر مستنقع اليمن؟

يمثل احتمال إرسال قوات برية مصرية إلى اليمن السيناريو الأكثر إثارة للمخاوف، بالنظر إلى طبيعة الجغرافيا اليمنية وتعقيدات الصراع الداخلي وتشابك القوى المحلية والإقليمية.

فاليمن يتميز بتضاريس جبلية وعرة، وتركيبة قبلية واجتماعية معقدة، فضلًا عن تعدد مراكز القوة العسكرية والسياسية، وهي عوامل تجعل العمليات البرية أكثر صعوبة وتكلفة.

وقد أظهرت الحرب التي بدأت عام 2015 أن العمليات الجوية المكثفة والتسليح المتطور لا يضمنان القضاء على الحوثيين أو إنهاء قدرتهم على تهديد السعودية والملاحة الدولية.

ورغم سنوات من المواجهات العسكرية، احتفظ الحوثيون بسيطرتهم على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة شمالي اليمن، وطوّروا قدراتهم في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتزداد خطورة أي تدخل بري إذا ارتبط بأهداف تتجاوز الدفاع عن السعودية إلى محاولة تغيير موازين القوى داخل اليمن أو انتزاع مناطق استراتيجية من الحوثيين.

فمثل هذه العمليات قد تتطلب انتشارًا عسكريًا طويلًا، وخطوط إمداد معقدة، وتعاونًا مع تشكيلات يمنية متعددة المصالح والولاءات.

كما أن السيطرة على مدينة أو منطقة ساحلية لا تعني بالضرورة القضاء على قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات بعيدة المدى، ما قد يفتح الباب أمام توسع العمليات العسكرية دون تحقيق نتائج حاسمة.

 

حرب الستينيات.. التجربة التي لا ينبغي تجاهلها

تستدعي احتمالات التدخل المصري في اليمن ذاكرة الحرب التي بدأت عام 1962، عندما قررت القيادة المصرية في عهد جمال عبد الناصر دعم النظام الجمهوري الجديد في شمال اليمن.

وبدأ التدخل بإرسال قوات محدودة، قبل أن يتوسع تدريجيًا إلى عشرات الآلاف من الجنود، وتشير تقديرات تاريخية إلى أن عدد القوات المصرية بلغ نحو 70 ألف جندي في ذروة المشاركة.

ورغم امتلاك الجيش المصري آنذاك قدرات تسليحية وتنظيمية تفوقت على خصومه، فإنه واجه حربًا معقدة في بيئة جغرافية وقبلية صعبة.

وتحول الوجود العسكري إلى عبء متزايد على القوات المسلحة والاقتصاد المصري، واستمر لسنوات دون تحقيق حسم عسكري نهائي.

ويربط عدد من المؤرخين والمحللين العسكريين بين استنزاف القوات المصرية في اليمن وبين تراجع جاهزيتها قبل حرب يونيو 1967، وإن كان تفسير الهزيمة في تلك الحرب يتضمن عوامل سياسية وعسكرية واستراتيجية متعددة، ولا يمكن اختزاله في التدخل اليمني وحده.

والدرس الأساسي من هذه التجربة لا يتعلق برفض أي دور عسكري مصري خارج الحدود، وإنما بخطورة الدخول في حرب دون أهداف محددة، أو جدول زمني واضح، أو تصور واقعي للانسحاب.

فالحروب قد تبدأ بقرارات محدودة، لكنها تتوسع بفعل التطورات الميدانية والضغوط السياسية والحاجة إلى حماية القوات المنتشرة، حتى تجد الدولة نفسها أمام التزامات لم تكن جزءًا من حساباتها الأصلية.

 

باب المندب وقناة السويس.. مصالح مصر في دائرة الخطر

تملك مصر مصالح استراتيجية مباشرة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى قناة السويس.

وأدت الهجمات على السفن التجارية واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر إلى تحويل مسارات عدد كبير من السفن بعيدًا عن القناة، ما تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة لمصر.

وشهدت إيرادات قناة السويس تراجعًا حادًا خلال العام المالي 2024-2025، وسط استمرار تأثير التوترات الأمنية على حركة التجارة العالمية.

كما تحدث السيسي عن خسائر ضخمة تكبدتها القناة خلال السنوات الماضية نتيجة الاضطرابات الإقليمية، مؤكدًا التأثير المباشر للصراعات على الموارد الدولارية للدولة.

ومن ثم فإن تأمين البحر الأحمر ليس مسألة تضامن سياسي مع السعودية فحسب، وإنما يرتبط مباشرة بأحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.

لكن المفارقة أن التدخل العسكري الواسع قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا دفع الحوثيين إلى اعتبار مصر طرفًا مباشرًا في الحرب.

ففي هذه الحالة، قد تتزايد المخاطر التي تواجه السفن المرتبطة بمصر، أو المنشآت والموانئ المصرية المطلة على البحر الأحمر، خصوصًا إذا اتسعت المواجهة إلى مستوى إقليمي أكبر.

ولا يعني ذلك أن هذه الهجمات ستقع بالضرورة، لكنه احتمال ينبغي أن يدخل في حسابات التخطيط العسكري والأمني قبل اتخاذ قرار المشاركة.

وتبرز هنا أهمية حماية المنشآت الحيوية المصرية، وفي مقدمتها الموانئ ومحطات الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بقناة السويس، باعتبارها أولوية أساسية في أي تقدير للمخاطر.

 

مساران أمام القاهرة.. الدفاع المحدود أم الحرب المفتوحة؟

يمكن التمييز بين مسارين رئيسيين لأي مشاركة عسكرية مصرية محتملة.

المسار الأول: الدعم الدفاعي المحدود

ويشمل تقديم مساعدات عسكرية مرتبطة بحماية الأراضي السعودية أو المنشآت الحيوية، أو التعاون في الدفاع الجوي والإنذار المبكر، أو المشاركة في تأمين الملاحة البحرية.

ويتميز هذا المسار بإمكانية تحديد أهدافه ونطاقه الجغرافي ومدته بصورة أكثر وضوحًا، كما أنه قد يقلل احتمالات الانزلاق إلى عمليات قتالية واسعة داخل اليمن.

ومع ذلك، فإن المشاركة الدفاعية لا تخلو من المخاطر، خصوصًا إذا تعرضت القوات المصرية لهجمات أو اضطرت إلى الرد عليها.

 

المسار الثاني: المشاركة الهجومية المباشرة

ويشمل تنفيذ ضربات ضد مواقع الحوثيين، أو المشاركة في عمليات تستهدف تغيير السيطرة على مناطق داخل اليمن، أو إرسال قوات برية لدعم تشكيلات عسكرية يمنية.

ويمثل هذا المسار درجة أعلى من المخاطرة، لأنه ينقل مصر من موقع الدعم الدفاعي إلى موقع الطرف المقاتل في صراع داخلي وإقليمي شديد التعقيد.

كما أنه قد يفتح الباب أمام مطالبات بتوسيع المشاركة إذا لم تحقق العمليات أهدافها، أو إذا تعرضت القوات المشاركة لخسائر.

والفارق الجوهري بين المسارين يتعلق بطبيعة الهدف النهائي: هل المطلوب حماية السعودية من الهجمات، أم هزيمة الحوثيين وإعادة تشكيل موازين القوى داخل اليمن؟

فكلما اتسعت الأهداف، زادت احتمالات إطالة أمد التدخل وارتفاع تكلفته البشرية والاقتصادية والسياسية.

 

الحوثيون.. خصم لا يمكن حسم المواجهة معه بسهولة

أثبت الحوثيون خلال سنوات الحرب قدرتهم على التكيف مع الضغوط العسكرية، وتطوير وسائل قتالية تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والعمليات غير التقليدية.

كما استفادت الجماعة من خبرتها الطويلة في القتال داخل التضاريس اليمنية، ومن شبكات الدعم والإمداد والعلاقات الإقليمية.

وتشير تقارير إلى تزايد اهتمام الجماعات المسلحة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في أنشطتها، لكن الادعاءات المحددة بشأن استخدام الحوثيين أنظمة بعينها لتحسين استهداف الصواريخ تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل التعامل معها باعتبارها حقائق مؤكدة.

وفي جميع الأحوال، فإن امتلاك الحوثيين قدرات هجومية بعيدة المدى يجعل القضاء على تهديدهم أكثر تعقيدًا من مجرد السيطرة على مناطق ساحلية.

فحتى لو نجحت عمليات عسكرية في إبعاد الحوثيين عن مواقع قريبة من باب المندب، فإن ذلك لا يضمن إنهاء قدرتهم على تهديد السفن أو المنشآت الإقليمية.

ويعني ذلك أن أي خطة عسكرية يجب أن تتضمن تصورًا سياسيًا واضحًا لما بعد العمليات، بدلًا من الاكتفاء بأهداف ميدانية قد تكون مؤقتة.

 

هل تتحول مصر إلى طرف في مواجهة إقليمية أوسع؟

لا تقتصر مخاطر التدخل المصري على الساحة اليمنية، إذ يرتبط الصراع بتنافس إقليمي أوسع تشارك فيه قوى متعددة، من بينها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وتُعد العلاقة بين الحوثيين وإيران أحد العوامل المؤثرة في استمرار الصراع، في ظل الدعم الذي تتحدث عنه تقارير دولية، وما يثيره من مخاوف بشأن امتداد المواجهة إلى ساحات أخرى.

وفي حال تحولت المشاركة المصرية إلى عمليات هجومية مباشرة، فقد تصبح القاهرة جزءًا من حسابات الردع والرد المتبادل بين أطراف الصراع.

كما أن اتساع المواجهة قد يفرض على مصر إعادة توزيع مواردها العسكرية والأمنية في وقت تواجه فيه تحديات أخرى على حدودها ومحيطها الاستراتيجي.

فالأمن القومي المصري لا يرتبط بالبحر الأحمر وحده، وإنما يمتد إلى تطورات الأوضاع في السودان وليبيا، والتوترات المتعلقة بأمن المياه في حوض النيل، والتنافس على النفوذ في القرن الإفريقي.

ويفرض هذا التشابك ضرورة التعامل مع الموارد العسكرية باعتبارها جزءًا من استراتيجية شاملة، لا مجرد أداة للاستجابة إلى الأزمات المتلاحقة.

 

تحالفات إقليمية جديدة.. ما موقع مصر؟

تطرح التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة تساؤلات بشأن مستقبل التحالفات الإقليمية، وإمكانية نشوء ترتيبات أمنية جديدة تجمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان.

وتتقاطع مصالح هذه الدول في ملفات متعددة، من بينها أمن البحر الأحمر والخليج، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، والحفاظ على استقرار الممرات البحرية.

لكن وجود مصالح مشتركة لا يعني بالضرورة قيام تحالف عسكري رسمي أو اتفاق دفاع جماعي ملزم بين جميع الأطراف.

كما أن أي ترتيبات إقليمية جديدة تثير سؤالًا بشأن أهدافها السياسية: هل تسعى إلى بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر استقلالًا، أم ستتحول إلى أداة ضمن صراعات القوى الكبرى في الشرق الأوسط؟

وبالنسبة إلى مصر، فإن المصلحة الاستراتيجية لا تقتصر على المشاركة العسكرية، وإنما تشمل القدرة على التأثير السياسي والدبلوماسي في صياغة الترتيبات الإقليمية، فالقاهرة تمتلك موقعًا جغرافيًا حاسمًا، وقوة عسكرية كبيرة، وعلاقات ممتدة مع أطراف إقليمية ودولية، ما يمنحها أدوات متعددة للتأثير دون الاضطرار إلى الانخراط المباشر في كل مواجهة.

 

المستفيد من استمرار الحرب في اليمن

يثير استمرار الحرب اليمنية تساؤلات بشأن الأطراف المستفيدة من إطالة أمد الصراع، خصوصًا في ظل الخسائر الإنسانية والاقتصادية التي تكبدها اليمنيون ودول المنطقة.

فالحرب لم تؤد فقط إلى تدمير البنية التحتية اليمنية وتعميق الأزمة الإنسانية، وإنما أسهمت أيضًا في اضطراب الملاحة الدولية، وزيادة الإنفاق العسكري، وتعزيز اعتماد عدد من دول المنطقة على منظومات التسليح والدعم الأمني الخارجي.

ويرى منتقدو التدخلات العسكرية الإقليمية أن استمرار الاستنزاف يضعف قدرة الدول العربية على بناء منظومة أمنية مستقلة، ويتيح لقوى خارجية توسيع نفوذها.

لكن تحديد المستفيد النهائي من الحرب يتطلب التمييز بين المصالح المتعارضة للأطراف المختلفة، وعدم افتراض أن جميع التطورات العسكرية تصب تلقائيًا في مصلحة طرف واحد.

وفي المقابل، فإن إنهاء الحرب عبر تسوية سياسية قابلة للاستمرار قد يوفر مكاسب مباشرة للسعودية واليمن ومصر، من خلال خفض التهديدات الأمنية واستعادة الاستقرار النسبي في البحر الأحمر.

 

الوساطة السياسية.. البديل عن التورط العسكري

تمتلك القاهرة فرصة للقيام بدور سياسي ودبلوماسي أكثر فاعلية في جهود وقف التصعيد، خصوصًا إذا نجحت في توظيف علاقاتها الإقليمية لدعم مسار تفاوضي يراعي المصالح الأمنية للسعودية وحقوق الشعب اليمني.

ويمكن أن يستند هذا المسار إلى ترتيبات لخفض الهجمات العابرة للحدود، وضمان أمن الملاحة البحرية، واستئناف العملية السياسية اليمنية تحت رعاية دولية.

كما يتطلب أي اتفاق مستدام معالجة جذور الصراع الداخلي، بدلًا من اختزاله في المواجهة العسكرية بين السعودية والحوثيين.

فالأزمة اليمنية لا تتعلق فقط بتهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما ترتبط بانقسامات سياسية ومناطقية واقتصادية عميقة، وبصراع على السلطة والموارد ومستقبل الدولة.

ومن دون معالجة هذه القضايا، قد تؤدي العمليات العسكرية إلى تغيير موازين القوى مؤقتًا، لكنها لن تضمن إنهاء الحرب.

وفي هذا السياق، يمكن لمصر أن تقدم دعمًا أمنيًا ودفاعيًا محددًا لحماية مصالحها ومصالح شركائها، مع جعل خفض التصعيد والتفاوض هدفًا رئيسيًا لتحركاتها.

 

من يملك قرار إرسال الجنود المصريين إلى اليمن؟

بعيدًا عن الحسابات العسكرية والإقليمية، تبرز قضية المساءلة السياسية باعتبارها أحد أهم جوانب الجدل حول التدخل المحتمل.

فإرسال قوات مصرية إلى خارج الحدود لا ينبغي أن يكون قرارًا غامضًا، أو أن يُطرح أمام الرأي العام باعتباره التزامًا لا يقبل النقاش.

ويفترض أن تقدم السلطة التنفيذية، قبل أي مشاركة عسكرية، تصورًا واضحًا بشأن أهداف المهمة وطبيعتها وحدودها وتكلفتها والمدة المتوقعة لتنفيذها.

كما ينبغي توضيح احتمالات تعرض القوات المصرية للخطر، وآليات التعامل مع التصعيد، والشروط التي تسمح بإنهاء المهمة أو الانسحاب منها.

وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وحاجة الدولة إلى توجيه مواردها نحو أولويات داخلية ملحة.

فالجيش المصري مؤسسة وطنية، وأفراده من أبناء الشعب المصري، وأي قرار يعرض حياتهم للخطر يجب أن يخضع لأعلى درجات التقييم والمساءلة، مع مراعاة ما تفرضه طبيعة العمليات العسكرية من سرية مشروعة.

ولا يعني ذلك الكشف عن تفاصيل الخطط العملياتية أو المعلومات العسكرية الحساسة، وإنما إعلان الأهداف السياسية والاستراتيجية التي تبرر استخدام القوة.

 

هل تنتقل الحرب إلى الموانئ المصرية؟

يبقى السيناريو الأكثر خطورة هو تحول مصر من دولة تسعى إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر إلى طرف تتعرض مصالحه ومنشآته لهجمات مباشرة.

فإذا اعتبر الحوثيون المشاركة المصرية تهديدًا عسكريًا مباشرًا، فقد ترتفع احتمالات استهداف مصالح مرتبطة بمصر، بما فيها السفن والمنشآت الساحلية، وفقًا لطبيعة التصعيد وقدرات الأطراف المتحاربة.

ومن شأن وقوع مثل هذه الهجمات أن يخلق ضغوطًا داخلية تدفع نحو رد عسكري أوسع، ما قد يؤدي إلى دائرة متصاعدة من المواجهات يصعب احتواؤها.

وتكمن الخطورة في أن قرار التدخل قد يكون محدودًا في بدايته، لكن تداعياته قد تفرض على الدولة التزامات جديدة لم تكن محسوبة.

كما أن أي تصعيد واسع في البحر الأحمر سيضاعف الضغوط على قناة السويس والاقتصاد المصري، بدلًا من المساهمة في استعادة حركة الملاحة.

ولذلك فإن حماية المصالح المصرية تقتضي تقييم احتمالات الرد المعادي، وتعزيز إجراءات الدفاع عن المنشآت الحيوية، وعدم افتراض أن المشاركة العسكرية ستؤدي تلقائيًا إلى تحسين الأمن البحري.

 

 حماية السعودية لا تعني منح تفويض مفتوح للحرب

تواجه مصر معادلة استراتيجية معقدة بين ضرورة الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع السعودية، وحماية مصالحها في البحر الأحمر، وتجنب الانخراط في حرب قد تتحول إلى استنزاف عسكري واقتصادي طويل.

فالتضامن مع المملكة في مواجهة الهجمات التي تستهدف أراضيها لا يستلزم بالضرورة إرسال قوات مصرية إلى ساحات القتال داخل اليمن.

كما أن حماية الملاحة في باب المندب لا تتحقق بمجرد توسيع العمليات العسكرية، خصوصًا في مواجهة جماعة مسلحة تمتلك خبرة طويلة في القتال غير التقليدي وقدرات على تنفيذ هجمات بعيدة المدى.

وتؤكد التجربة المصرية في اليمن خلال الستينيات أن غياب الأهداف المحددة وخطط الانسحاب يمكن أن يحول التدخلات العسكرية إلى أزمات استراتيجية تتجاوز حسابات البداية.

ومن هنا، فإن المصلحة المصرية تقتضي إعطاء الأولوية للدبلوماسية وخفض التصعيد، مع حصر أي دعم عسكري محتمل في مهام واضحة ومحددة، ترتبط مباشرة بحماية الأمن القومي المصري وأمن الشركاء الإقليميين.

أما الانتقال إلى المشاركة الهجومية أو التدخل البري، فيحتاج إلى مبررات استراتيجية استثنائية، وضمانات سياسية وعسكرية تحول دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

ويبقى السؤال الذي يتعين على السيسي ونظامه الإجابة عنه أمام المصريين: هل ستذهب القوات المسلحة إلى اليمن لحماية أمن مصر ومصالحها، أم ستجد نفسها طرفًا في حرب جديدة لا تملك القاهرة قرار إنهائها؟ فالمصريون الذين تحملوا تداعيات أزمات اقتصادية وصراعات إقليمية متلاحقة، من حقهم معرفة الأهداف التي قد يُرسل أبناؤهم للقتال من أجلها، وحدود المهمة العسكرية وتكلفتها واحتمالات نجاحها.

إن حماية السعودية ضرورة استراتيجية، لكن حماية مصر من التورط في مستنقع عسكري جديد لا تقل أهمية. وبين الواجبين، يجب ألا يتحول التضامن مع الحلفاء إلى شيك على بياض يُدفع ثمنه من دماء الجنود المصريين وأمن البلاد واقتصادها.