الغرياني يحذر من تنصيب صدام حفتر حاكمًا لليبيا: فرضه بدعم أمريكي إسرائيلي قد يشعل الحرب

- ‎فيعربي ودولي

صعّد مفتي عام ليبيا، الشيخ الصادق الغرياني، من لهجته تجاه التحركات السياسية المرتبطة بصدام حفتر، نجل قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، متهمًا الولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي إلى تمكينه من حكم البلاد، ومحذرًا من أن فرضه على الليبيين تحت شعار إنهاء الانقسام قد يفتح الباب أمام مواجهة مسلحة جديدة.

وجاءت تصريحات الغرياني في أعقاب تقارير إعلامية تحدثت عن لقاء محتمل جمع صدام حفتر برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أبو ظبي أواخر سبتمبر الماضي، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن طبيعة الاتصالات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل السلطة في ليبيا.

وربط المفتي بين تلك التقارير وما وصفه بتحركات تستهدف إعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي، معتبرًا أن الدفع بصدام حفتر إلى موقع القيادة لا ينفصل، بحسب تقديره، عن مساعٍ خارجية لإعادة ترتيب السلطة ومراكز النفوذ في البلاد.

 

لقاء أبو ظبي.. نقطة انطلاق الاتهامات

اعتبر الغرياني أن اللقاء المنسوب إلى صدام حفتر ونتنياهو يمثل مؤشرًا على تحركات تستهدف تمكين نجل قائد قوات شرق ليبيا من تولي الحكم، تحت عنوان إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه البلاد منذ سنوات.

وذهب المفتي إلى أن صدام حفتر يمتلك، وفق وصفه، المقومات التي تبحث عنها واشنطن وتل أبيب لتولي القيادة، مشيرًا إلى ما قال إنه امتلاكه الجنسية الأمريكية، ومتهمًا إياه بالسعي إلى خدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

غير أن هذه الاتهامات تظل جزءًا من قراءة الغرياني السياسية للتطورات، إذ لم تتوافر أدلة مستقلة تثبت وجود اتفاق أمريكي إسرائيلي على تنصيب صدام حفتر حاكمًا لليبيا.

وكانت صحيفة "إل فوليو" الإيطالية قد نشرت معلومات بشأن تحركات جوية قالت تقارير إعلامية إنها ترتبط باللقاء المزعوم، إلى جانب تصريحات لمحلل سياسي ليبي. لكن لم يصدر تأكيد رسمي معلن من الأطراف المعنية بشأن تفاصيل اللقاء، ما يفرض التمييز بين ما جرى تداوله إعلاميًا وبين الوقائع التي أمكن التحقق منها بصورة مستقلة.

ومع ذلك، تكشف ردود الفعل على هذه التقارير عن حجم الحساسية التي تحيط بأي تحركات خارجية يُعتقد أنها تستهدف إعادة توزيع السلطة في ليبيا، خصوصًا إذا ارتبطت بشخصيات عسكرية تملك نفوذًا ميدانيًا وتسعى إلى توسيع حضورها السياسي.

 

سرت ومؤسسات الدولة.. مخاوف من إعادة رسم خريطة السلطة

لم يحصر الغرياني تحذيراته في احتمال تولي صدام حفتر منصبًا قياديًا، بل تحدث عن ترتيبات أوسع قال إنها تستهدف نقل مركز الحكم إلى مدينة سرت، وإعادة توزيع مؤسسات الدولة السيادية.

وبحسب ما أورده المفتي، فإن السيناريو الذي يحذر منه يقوم على تنصيب صدام حفتر حاكمًا للبلاد تحت شعار إنهاء الانقسام، بالتوازي مع نقل مؤسسات الدولة والمصرف المركزي ومحافظه ومحتوياته إلى سرت.

لكن هذه المزاعم لم تقترن، في التصريحات المنشورة، بأدلة مستقلة تثبت وجود خطة متفق عليها لتنفيذ تلك الترتيبات، كما لم تتوافر تأكيدات رسمية بشأن نقل المصرف المركزي أو المؤسسات السيادية إلى المدينة.

وتكتسب سرت أهمية خاصة في الحسابات السياسية الليبية، نظرًا إلى موقعها الجغرافي بين شرق البلاد وغربها، فضلًا عن حضورها في المبادرات السابقة الرامية إلى التوصل إلى تسويات سياسية وعسكرية.

غير أن تحويل المدينة إلى مركز للسلطة لا يمثل، في حد ذاته، حلًا للانقسام الليبي؛ إذ تبقى المسألة الأساسية مرتبطة بطبيعة الترتيبات السياسية، ومدى قبول القوى الفاعلة بها، والضمانات التي تحول دون إعادة إنتاج هيمنة طرف واحد على مؤسسات الدولة.

 

صدام حفتر في الحسابات الدولية.. تسوية أم إعادة إنتاج للنفوذ العسكري؟

تأتي تصريحات الغرياني في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين مراكز السلطة والنفوذ في شرق ليبيا وغربها، وتواصل التحركات المحلية والدولية بحثًا عن صيغة لتوحيد المؤسسات وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية.

وفي هذا السياق، تحدثت تقارير إعلامية سابقة عن مقترحات أمريكية لإعادة ترتيب السلطة، تتضمن منح صدام حفتر دورًا سياسيًا بارزًا، بالتوازي مع استمرار عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة.

لكن تداول هذه المقترحات لا يعني إقرار خطة نهائية لتولي صدام حفتر الحكم، كما لا يكفي وحده لإثبات وجود توافق دولي على تنصيبه.

وتكشف هذه التطورات، في المقابل، عن استمرار الرهان على التفاهمات بين مراكز القوة المحلية والأطراف الخارجية في إدارة الأزمة الليبية، وهي مقاربة تثير تساؤلات بشأن فرص بناء مؤسسات موحدة تستند إلى توافق وطني واسع، بدلًا من تسويات تُصاغ وفق موازين النفوذ العسكري والمصالح الإقليمية والدولية.

وتتمثل المعضلة الأساسية في أن أي صيغة لتوحيد السلطة لا تستند إلى قبول سياسي واجتماعي واسع قد تتحول إلى مصدر جديد للصراع، خصوصًا إذا اعتُبرت محاولة لفرض قيادة بعينها على بقية الأطراف.

 

"لن يكون أمام الليبيين سوى الحرب".. تصعيد يتجاوز التحذير السياسي

بلغ خطاب الغرياني ذروته عندما دعا الليبيين إلى الانتباه لما وصفه بالمخطط، والتحرك للدفاع عن بلادهم ومقدراتهم ومستقبل الأجيال المقبلة، محذرًا من عودة الاستبداد والقهر إذا فُرضت قيادة سياسية على البلاد بدعم خارجي.

وقال المفتي إنه إذا مضت الولايات المتحدة وإسرائيل في تنصيب صدام حفتر بمدينة سرت، فلن يكون أمام الليبيين، بحسب تعبيره، سوى الحرب والقتال دفاعًا عن أموالهم وحقوقهم ودمائهم واستعادة بلادهم. واستشهد الغرياني بأحاديث نبوية تتعلق بمن يُقتل دفاعًا عن النفس أو المال، في سياق تبريره الدعوة إلى المواجهة المسلحة.

وتعكس هذه التصريحات انتقال الخطاب من التحذير من ترتيبات سياسية محتملة إلى التلويح الصريح بخيار القتال، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي تصاعد الاستقطاب إلى تقويض فرص التسوية، وإعادة البلاد إلى دوامة المواجهات المسلحة.

وفي بلد لا تزال مؤسساته تعاني الانقسام، وتتنازع فيه قوى متعددة النفوذ العسكري والسياسي، يمكن أن تتحول الدعوات التصعيدية إلى عامل إضافي لتعبئة الأطراف المتنافسة، حتى في ظل عدم ثبوت السيناريو الذي بُنيت عليه تلك الدعوات.

ومن ثم، فإن خطورة الموقف لا تكمن فقط في الاتهامات المتبادلة بشأن التدخل الخارجي، بل أيضًا في احتمال تحول الخلاف حول مستقبل السلطة إلى صراع جديد على الأرض، يدفع المدنيون ثمنه قبل غيرهم.

 

وحدة ليبيا لا تُحسم بصفقات الخارج

تضع التطورات الأخيرة مستقبل التسوية السياسية الليبية أمام اختبار جديد: هل تتجه القوى المحلية والدولية إلى تفاهمات تضمن مشاركة أوسع وتوحيد المؤسسات على أسس متوافق عليها، أم تستمر محاولات إعادة توزيع السلطة وفق موازين القوة والتحالفات الخارجية؟

وفي ظل غياب تأكيد مستقل بشأن اللقاء المزعوم بين صدام حفتر ونتنياهو، وعدم توافر أدلة تثبت وجود خطة أمريكية إسرائيلية لتنصيب نجل حفتر حاكمًا للبلاد أو نقل المؤسسات السيادية إلى سرت، تظل هذه الاتهامات بحاجة إلى ما يدعمها من معلومات موثقة.

لكن الجدل الذي أثارته يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالثقة في مسارات التسوية، والخشية من أن يتحول شعار إنهاء الانقسام إلى غطاء لإعادة إنتاجه بصيغة جديدة، إذا جرى فرض ترتيبات لا تحظى بقبول الليبيين.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن ضمان استقرار ليبيا بمجرد تغيير الشخص الذي يتولى السلطة أو المدينة التي تُدار منها مؤسسات الدولة، بل يتطلب الأمر تسوية سياسية ذات شرعية واسعة، ومؤسسات موحدة، وضمانات تحول دون احتكار القرار الوطني أو إخضاعه لإرادة أطراف خارجية.

أما التلويح بالحرب ردًا على سيناريو لم تثبت تفاصيله بعد، فينذر بتوسيع دائرة المخاطر بدلًا من احتوائها، ويجعل الحاجة إلى التحقق من المعلومات والاحتكام إلى مسار سياسي شامل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.