السيسي يعلن عجز الدولة عن تحمل فاتورة الطاقة.. وحكومة الانقلاب تخيّر المصريين بين الغلاء والديون والظلام

- ‎فيتقارير

في اعتراف جديد بحجم فشل السياسات الاقتصادية والمالية التي سار عليها نظام الانقلاب، أعلن المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي أن الدولة لم تعد قادرة على تحمل التكلفة الفعلية للوقود والكهرباء بالأسعار الحالية، مؤكدًا أن تكلفة توفير الطاقة أصبحت تتجاوز الإمكانات المالية المتاحة، في وقت وضعت فيه حكومة الانقلاب المواطنين أمام ثلاثة خيارات صعبة، تتراوح بين تحمل زيادات جديدة في أسعار الوقود والكهرباء، أو التوسع في الاقتراض، أو مواجهة نقص إمدادات الطاقة وعودة تخفيف الأحمال الكهربائية لساعات طويلة.

وجاءت تصريحات السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي الانقلابي خلال مناقشات "منتدى مصر 2026"، لتكشف حجم الضغوط التي تواجهها الموازنة العامة، مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتراجع قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي اللازم للاستيراد.

أثارت هذه التصريحات تساؤلات تتجاوز أزمة أسعار الطاقة، لتطال السياسات الاقتصادية التي اتبعتها السلطة خلال السنوات الماضية، وأولويات توجيه الموارد العامة، ومدى قدرة المواطنين على تحمل موجات جديدة من الغلاء، بعد سنوات من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للأجور والمعاشات.

وبينما تحاول الحكومة تقديم الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة للاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع الأسعار العالمية، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: لماذا يجد المصريون أنفسهم مجددًا مطالبين بتحمل فاتورة أزمة لم يشاركوا في صياغة السياسات التي قادت إليها؟

 

السيسي: الدولة عاجزة عن سداد تكلفة الطاقة

خلال مشاركته في المنتدى، أقر السيسي بأن الأسعار الحالية للمواد البترولية والكهرباء لا تعكس تكلفتها الفعلية، مؤكدًا أن الدولة تبيع الطاقة للمواطنين بأقل من تكلفة توفيرها.

وقال: "أسعار المواد البترولية والكهرباء غير اقتصادية على الإطلاق"، مضيفًا: "نحن غير قادرين على سداد تكلفة الطاقة في ظل مستويات الأسعار الحالية، وهذه هي الحقيقة".

وأوضح أن التحدي الأساسي يتمثل في حجم التمويل المطلوب لتغطية الفارق بين التكلفة وسعر البيع، ومصادر تدبير هذه الأموال، معتبرًا أن الأزمة العالمية والتوترات الجيوسياسية فاقمت الضغوط على الاقتصاد المصري.

وفي محاولة لإقناع المواطنين بضرورة تحمل تبعات الأزمة، قال السيسي إن "التحدي أكبر من الحكومة والرئيس، لكنه ليس أكبر من المواطن"، مشددًا على أهمية تشكيل رأي عام يدرك حجم التكلفة والأعباء الاقتصادية.

غير أن هذه العبارة تفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بمسئولية السلطة عن إدارة الموارد العامة، إذ يرى منتقدون أن تحميل المواطنين مسئولية مواجهة أزمة بهذا الحجم يتجاهل دور القرارات الاقتصادية والمالية التي اتخذتها حكومة الانقلاب على مدار سنوات.

فالمواطن الذي تحمل موجات متلاحقة من رفع أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية، لا يملك سلطة تحديد أولويات الموازنة أو حجم الاقتراض أو طبيعة المشروعات العامة، لكنه يواجه بصورة مباشرة نتائج هذه القرارات من خلال الأسعار وتكاليف المعيشة.

 

ثلاثة خيارات.. والمواطن يدفع الثمن

لم تكن تصريحات السيسي وحدها التي أثارت القلق، إذ عرض رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ثلاثة سيناريوهات لمواجهة ارتفاع فاتورة الطاقة، جميعها ينطوي على تكاليف اقتصادية واجتماعية متفاوتة.

وأوضح مدبولي أن الحكومة تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 110 دولارات للبرميل، مقارنة بسعر يبلغ 75 دولارًا جرى اعتماده في الموازنة العامة.

ويعني ذلك، وفق الأرقام التي عرضتها الحكومة، ارتفاع السعر العالمي بنحو 46.7% عن السعر المفترض في الموازنة، وهو فارق يزيد تكلفة الاستيراد ويضغط على الموارد الدولارية.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن تكلفة شحنات الطاقة المستوردة أصبحت تعادل ضعف تكلفتها قبل عامين، ما دفع المجموعة الاقتصادية ومحافظ البنك المركزي إلى عقد اجتماعات متكررة لتدبير التمويل اللازم لتأمين الإمدادات.

وتكشف هذه الاجتماعات، بحسب تصريحات مدبولي، أن توفير احتياجات البلاد من الوقود لم يعد مجرد إجراء تشغيلي اعتيادي، بل أصبح تحديًا ماليًا يتطلب تنسيقًا مستمرًا لتوفير الجنيه والدولار.

 

الخيار الأول: زيادات جديدة في أسعار الوقود والكهرباء

يتمثل السيناريو الأول في تحميل المواطنين كامل الزيادة في تكلفة توفير الطاقة، بما يعني انتقال الأعباء الإضافية مباشرة إلى المستهلكين.

ورغم أن هذا الخيار قد يخفف الضغوط على الموازنة العامة، فإنه يحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية واسعة، لأن زيادة أسعار الوقود والكهرباء لا تقتصر آثارها على فواتير المنازل أو تكلفة تموين السيارات.

فارتفاع أسعار السولار والبنزين ينعكس على تكلفة نقل السلع والركاب، بينما تؤدي زيادة الكهرباء إلى رفع نفقات المصانع والورش والمتاجر والخدمات. وتنتقل هذه الزيادات تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والمنتجات الأساسية، بما يفاقم التضخم ويقلص القدرة الشرائية للأسر.

وتزداد خطورة هذا السيناريو في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي تواجهها قطاعات واسعة من المصريين، خصوصًا أصحاب الدخول المحدودة والعمال والموظفين وأصحاب المعاشات.

وبالتالي، فإن تحميل المواطنين التكلفة كاملة قد يوفر جزءًا من احتياجات الموازنة، لكنه ينقل الأزمة من حسابات الحكومة إلى ميزانيات ملايين الأسر.

 

الخيار الثاني: الاقتراض وترحيل الأزمة إلى الأجيال القادمة

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار الدولة في تحمل الزيادة من مواردها المالية، أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية الفجوة بين تكلفة توفير الطاقة والأسعار المحلية.

وحذر مدبولي من أن الاعتماد على الاقتراض قد يؤدي إلى تضاعف المبلغ المطلوب سداده خلال سبع سنوات نتيجة تراكم الفوائد.

ويثير هذا السيناريو تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد المصري على تحمل التزامات مالية إضافية، في ظل الأعباء القائمة لخدمة الدين العام، واحتياجات الإنفاق على الخدمات الأساسية والاستثمار والإنتاج.

كما أن الاقتراض لتمويل الاستهلاك الجاري، من دون معالجة أسباب العجز أو زيادة الموارد الإنتاجية، قد يؤدي إلى ترحيل المشكلة إلى الموازنات المقبلة. وبذلك، لا تختفي تكلفة الطاقة، بل تتحول إلى ديون وفوائد يتحملها الاقتصاد والمواطنون مستقبلًا.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين الاقتراض لتمويل مشروعات منتجة قادرة على توليد عوائد اقتصادية، وبين الاقتراض لتغطية نفقات تشغيلية متكررة لا تؤدي بالضرورة إلى خلق موارد مستدامة لسداد الالتزامات.

 

الخيار الثالث: نقص الوقود وعودة انقطاع الكهرباء

السيناريو الثالث، الذي طرحه مدبولي، هو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للمواطنين، إذ يقوم على الالتزام بالمخصصات المالية المحددة في الموازنة، وشراء الوقود والمنتجات البترولية في حدود الموارد المتاحة فقط.

وقال رئيس الوزراء إن هذا الخيار قد يؤدي إلى توفير ما يتراوح بين 50% و60% من احتياجات المواطنين، بما يعني احتمال حدوث نقص في الوقود داخل المحطات.

كما حذر من أن عدم توفير التمويل الكافي قد يضطر الدولة إلى العودة لتخفيف الأحمال الكهربائية لفترات تتراوح بين ست وثماني ساعات يوميًا.

ويعيد هذا السيناريو إلى الواجهة أزمة انقطاع الكهرباء، وما ارتبط بها من خسائر اقتصادية وتعطل مصالح المواطنين والأنشطة التجارية والصناعية.

فانقطاع الكهرباء لساعات طويلة لا يعني فقط غياب الإنارة عن المنازل، بل يمتد تأثيره إلى تشغيل المصانع والمستشفيات والخدمات والمشروعات الصغيرة، فضلًا عن تكاليف الاعتماد على مصادر طاقة بديلة.

ورغم أن مدبولي لم يعلن اعتماد أي من السيناريوهات الثلاثة، فإن مجرد طرح احتمال انقطاع الكهرباء ثماني ساعات يوميًا يكشف حجم المخاطر التي قد تواجهها البلاد إذا استمرت أزمة التمويل.

 

زيادات مرتقبة خلال أسبوعين

تزامنت تصريحات حكومة الانقلاب مع توقعات اقتصاديين وبرلمانيين بإمكانية اتخاذ قرارات جديدة لرفع أسعار الكهرباء والمحروقات خلال الأسبوعين المقبلين.

ويربط أصحاب هذه التوقعات بين ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، وتراجع قيمة الجنيه، والضغوط على موارد النقد الأجنبي، وبين احتمال لجوء الحكومة إلى تحريك الأسعار المحلية.

كما أشاروا إلى ارتباط التوقيت المحتمل بانتهاء مناقشات برلمانية تتعلق بالموقف المصري من الحرب في اليمن والتطورات الإقليمية المرتبطة بالسعودية. لكن هذه التوقعات لا تمثل قرارًا حكوميًا معلنًا، ولم يحدد مدبولي خلال المنتدى موعدًا لزيادة أسعار الوقود أو الكهرباء.

وأكد مدبولي أن الحكومة ستواصل تحمل النصيب الأكبر من تكلفة توفير الطاقة خلال الفترة القصيرة المقبلة، وهو ما يعني أن الخيارات المطروحة لا تزال قيد الدراسة، رغم الضغوط المالية التي عرضتها الحكومة.

ومع ذلك، فإن استمرار الحديث الرسمي عن عدم اقتصادية الأسعار الحالية يعزز مخاوف المواطنين من موجة جديدة من الزيادات، خصوصًا أن تحريك أسعار الطاقة غالبًا ما ينعكس على مستويات الأسعار في قطاعات اقتصادية متعددة.

 

أين ذهبت استثمارات الكهرباء والطاقة؟

تثير تصريحات حكومة الانقلاب بشأن احتمال العودة إلى تخفيف الأحمال تساؤلات عن نتائج الاستثمارات الضخمة التي وجهتها الدولة خلال السنوات الماضية إلى إنشاء محطات الكهرباء وتطوير الشبكات والبنية التحتية للطاقة.

فقد أعلنت حكومة الانقلاب  مرارًا نجاحها في زيادة قدرات توليد الكهرباء والتغلب على أزمة نقص الإنتاج، وقدمت هذه المشروعات باعتبارها أحد أبرز إنجازات تطوير البنية التحتية.

لكن الأزمة الراهنة تكشف أن امتلاك قدرات كبيرة لتوليد الكهرباء لا يعني بالضرورة القدرة على تشغيلها بصورة مستمرة، إذا لم تتوافر كميات الوقود اللازمة والتمويل المطلوب لشرائها.

وهنا يظهر الفارق بين القدرة الإنتاجية المركبة للشبكة، وبين القدرة الفعلية على توفير الكهرباء للمستهلكين بصورة منتظمة ومستدامة.

ويطرح ذلك أسئلة بشأن التخطيط طويل الأجل لقطاع الطاقة، ومدى التوازن بين التوسع في إنشاء المحطات وتوفير الوقود اللازم لتشغيلها، فضلًا عن الجدوى الاقتصادية للمشروعات ومدى توافقها مع قدرات الدولة المالية.

كما يثير تساؤلات عن أسباب استمرار الضغوط على فاتورة الاستيراد، رغم الاستثمارات التي استهدفت تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الخارج.

ولا تعني هذه التساؤلات بالضرورة أن مشروعات الكهرباء لم تحقق فوائد، لكنها تفرض ضرورة تقييم نتائجها الاقتصادية بصورة شاملة، بدلًا من الاكتفاء بالإعلان عن حجم القدرات المركبة أو تكلفة الإنشاء.

 

64.4 جيجاوات قدرة مركبة… فلماذا التهديد بالظلام؟

خلال المنتدى نفسه، استعرض وزير الكهرباء والطاقة المتجددة بحكومة الانقلاب محمود عصمت مؤشرات منظومة الكهرباء، معلنًا أن إجمالي القدرات الاسمية المركبة على الشبكة بلغ 64.4 جيجاوات.

وأوضح أن قدرات الطاقة المتجددة وصلت إلى 10.5 جيجاوات، فيما بلغت قدرات بطاريات التخزين 1.1 جيجاوات، مشيرًا إلى أن مساهمة الطاقة المتجددة والتخزين بلغت نحو 18% من مزيج الطاقة، وفق الأرقام التي عرضها.

وأضاف أن الشبكة استوعبت حملًا أقصى بلغ 40.2 جيجاوات في أغسطس 2026، مع استمرار استقرار التغذية الكهربائية.

وتكشف المقارنة بين القدرة المركبة والحمل الأقصى أن المشكلة المطروحة لا تتعلق فقط بحجم محطات التوليد، وإنما تشمل تكلفة التشغيل وتوافر الوقود والقدرات المتاحة فعليًا، إلى جانب متطلبات الصيانة وكفاءة الشبكة.

فالفارق بين القدرة الاسمية والطلب الفعلي لا يمكن اعتباره فائضًا متاحًا بالكامل، لأن بعض الوحدات قد تكون خارج الخدمة أو مقيدة بتوافر الوقود أو ظروف التشغيل.

ومع ذلك، فإن طرح سيناريو تخفيف الأحمال لساعات طويلة في ظل هذه القدرات يضع الحكومة أمام مطالب بتقديم تفسير اقتصادي وفني واضح لأسباب الأزمة.

 

الحكومة تعلن وفورات بمليارات الدولارات

في محاولة لإظهار جهود تحسين كفاءة قطاع الكهرباء، أعلن وزير الكهرباء أن معدل استهلاك الوقود لإنتاج الكيلووات ساعة انخفض من 214.09 جرامًا عام 2014 إلى 174.57 جرامًا حاليًا.

وأوضح أن هذا التحسن أسهم في توفير أكثر من 65 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بقيمة اقتصادية تتجاوز 38 مليار دولار.

كما أكد أن الوزارة تعمل على تغيير أنماط تشغيل محطات الإنتاج، والتوسع في الطاقة المتجددة والتخزين بالبطاريات، مع إعطاء الأولوية للمحطات الحرارية الأقل استهلاكًا للوقود.

من جانبه، أعلن وزير المالية أحمد كجوك أن إجراءات ترشيد الاستهلاك أسهمت في خفض استهلاك الوقود والغاز بنسبة 20%، ضمن خطة تستهدف استدامة المالية العامة وتنويع مصادر الطاقة.

وأشار إلى أن ترشيد استهلاك الكهرباء حقق وفرًا بقيمة 7.8 مليارات جنيه، فيما ساهمت القدرات الجديدة من الطاقة المتجددة في توفير وقود بقيمة تقارب 250 مليون دولار.

ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإنها تفتح تساؤلًا بشأن أسباب استمرار أزمة التمويل، ومدى انعكاس الوفورات المعلنة على تقليل فاتورة الاستيراد وتحسين استقرار الإمدادات.

كما أن تقييم هذه الأرقام يتطلب معرفة الفترات الزمنية التي تغطيها، وكيفية حساب الوفورات، وحجم الزيادة المقابلة في الاستهلاك وتكلفة الوقود المستورد.

 

المواطن بين ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات

تكشف الخيارات الثلاثة التي عرضتها حكومة الانقلاب عن معضلة اقتصادية واجتماعية، إذ لا يبدو أن أيًا منها يخلو من تكلفة يتحمل المواطن جانبًا كبيرًا منها.

فرفع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف المعيشة والإنتاج، والاقتراض يضيف أعباء مستقبلية على المالية العامة، بينما يؤدي تقليص مشتريات الوقود إلى مخاطر نقص الإمدادات وتعطل الخدمات.

لكن الجدل الأهم يتعلق بغياب بدائل واضحة في الخطاب الحكومي المطروح بشأن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، أو تعزيز الإيرادات الإنتاجية، أو مراجعة كفاءة استخدام الموارد، أو توسيع الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر تضررًا.

فالتعامل مع أزمة الطاقة لا يقتصر على تحديد الجهة التي ستدفع الفاتورة، وإنما يتطلب مراجعة الأسباب التي أدت إلى ارتفاعها، ومدى قدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته بصورة مستدامة.

كما أن استمرار الاعتماد على رفع الأسعار باعتباره أحد الحلول الرئيسية يثير مخاوف من دخول الاقتصاد في دائرة متكررة، تبدأ بزيادة تكاليف الطاقة، ثم ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فتراجع القوة الشرائية، وما يتبع ذلك من ضغوط جديدة على الأجور ومستويات المعيشة.

وتصبح هذه الدائرة أكثر خطورة عندما لا تقابلها زيادة كافية في الإنتاج الحقيقي والدخول، أو برامج حماية اجتماعية قادرة على امتصاص الصدمات.

 

أزمة الطاقة تكشف مأزق السياسات الاقتصادية

في المحصلة، تمثل تصريحات السيسي ومدبولي إقرارًا رسميًا بأن الدولة تواجه صعوبة متزايدة في تمويل احتياجات الطاقة بالأسعار الحالية، وأن استمرار الأوضاع قد يفرض قرارات مؤلمة اقتصاديًا واجتماعيًا.

لكن الأزمة لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للسياسات الاقتصادية، بما يشمله من توسع في الاقتراض، وضغوط على العملة الأجنبية، وأعباء لخدمة الدين، وتحديات تتعلق بزيادة الإنتاج والصادرات وتعزيز الموارد الدولارية.

كما أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا يمثل عامل ضغط حقيقيًا، لكنه لا يلغي الحاجة إلى مساءلة السياسات المحلية ومدى استعدادها لمواجهة الصدمات الخارجية.

وبينما تؤكد حكومة الانقلاب أن الأزمة تتجاوز قدراتها المالية، يظل السؤال المطروح بشأن توزيع الأعباء: هل ستتحمل الأسر المصرية مزيدًا من الزيادات في أسعار الوقود والكهرباء، أم ستتجه الدولة إلى مراجعة أوسع لأولوياتها الاقتصادية والمالية؟

إن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تدبير الأموال اللازمة لشراء شحنات الوقود خلال الأسابيع المقبلة، بل في بناء منظومة طاقة واقتصاد قادرين على تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتوفير الخدمات الأساسية بأسعار تتناسب مع دخول المواطنين.

وبين اعتراف السيسي بالعجز عن تحمل تكلفة الطاقة، وتحذير مدبولي من الغلاء والديون والظلام، يجد ملايين المصريين أنفسهم أمام سؤال يتكرر مع كل أزمة اقتصادية: إلى متى يظل المواطن هو الطرف المطالب بدفع فاتورة القرارات الحكومية، بينما تبقى مراجعة السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة خارج الخيارات الثلاثة المطروحة؟