في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من ضغوط مالية متصاعدة، وتراجع قدرة القطاعات الإنتاجية على جذب التمويلات اللازمة للتوسع والنمو، تواصل حكومة عبد الفتاح السيسي الاعتماد على الاقتراض لتمويل مشروعات النقل والبنية التحتية، وسط تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق العام وجدوى التوسع في المشروعات كثيفة التكلفة، وانعكاساتها على الدين العام والموازنة العامة للدولة.
وتستعد الهيئة القومية للأنفاق، التابعة لوزارة النقل، للحصول على قرض جديد بقيمة 29 مليار جنيه من تحالف مصرفي يضم 9 بنوك محلية، لتمويل مستحقات وأعمال الشركات المصرية المشاركة في تنفيذ مشروع الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع، والمرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف بالعاصمة الإدارية الجديدة.
ويأتي القرض المرتقب في ظل استمرار اعتماد الحكومة على التمويلات المحلية والأجنبية لاستكمال مشروعات البنية التحتية، رغم ارتفاع أعباء خدمة الدين وضغوط الموازنة العامة، وما يثيره ذلك من مخاوف بشأن قدرة الدولة على الموازنة بين الإنفاق الاستثماري والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر إلحاحًا.
29 مليار جنيه من البنوك المحلية
بحسب عضو بمجلس إدارة الهيئة القومية للأنفاق، طلب عدم نشر اسمه، حصلت الهيئة على موافقات مبدئية من 9 بنوك عاملة بالسوق المصرية للمشاركة في ترتيب التمويل الجديد، بينها 7 بنوك من القطاع الخاص وبنكان حكوميان.
وأوضح المصدر أن مدة سداد القرض ستتجاوز 20 عامًا، على أن يتحدد سعر الفائدة وفقًا لأسعار العائد المعلنة من البنك المركزي المصري، في إطار آلية تسعير مرتبطة بسعر الكوريدور.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه أسعار الفائدة مرتفعة نسبيًا، بما يزيد التكلفة المحتملة للتمويل طويل الأجل، خاصة إذا استمرت مستويات العائد المرتفعة لفترات ممتدة.
وتشير البيانات الواردة بشأن التمويل إلى أن سعر العائد المرجعي يبلغ نحو 19.5%، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول إجمالي تكلفة الاقتراض على مدار أكثر من عقدين، وحجم الفوائد التي ستتحملها الجهات الحكومية.
ولا تقتصر أهمية القرض على قيمته المباشرة، وإنما تمتد إلى طبيعة الضمانات الحكومية المرتبطة به، والجهة التي ستتحمل أعباء سداده خلال السنوات المقبلة.
وزارة المالية تتحمل أصل القرض
تكشف تفاصيل التمويل الجديد عن ترتيبات تضع وزارة المالية في موقع المسؤول المباشر عن سداد أصل القرض، إذ أكد المصدر أن الوزارة ستقدم الضمانة اللازمة للتمويل، إلى جانب توليها سداد قيمته الأساسية، بينما تلتزم الهيئة القومية للأنفاق بسداد الفوائد المستحقة.
ويعني ذلك أن المشروع، رغم تنفيذه من خلال هيئة اقتصادية، سيترتب عليه التزام مالي تتحمله الخزانة العامة بصورة مباشرة، بما يضيف أعباء جديدة إلى الالتزامات الحكومية طويلة الأجل.
وتثير هذه الآلية تساؤلات بشأن مدى قدرة إيرادات تشغيل مشروعات النقل الجديدة على تغطية تكاليفها، وما إذا كانت ستتمكن مستقبلًا من تمويل احتياجاتها التشغيلية والاستثمارية دون استمرار الاعتماد على الموازنة العامة.
كما تعيد طرح قضية الضمانات السيادية التي تقدمها الحكومة للهيئات الاقتصادية، ومدى انعكاسها على حجم الالتزامات الفعلية للدولة، حتى عندما لا تظهر جميع التمويلات بصورة مباشرة ضمن الاقتراض الحكومي التقليدي.
275 مليار جنيه قروضًا مرتقبة للأنفاق
لا يمثل القرض الجديد سوى جزء من توسع أكبر في اقتراض الهيئة القومية للأنفاق، التي تعد من أكثر الهيئات الاقتصادية اعتمادًا على التمويلات المحلية والخارجية لتنفيذ مشروعاتها.
فبحسب تقديرات موازنة العام المالي الجاري، يُتوقع أن تحصل الهيئة على قروض محلية وأجنبية تتجاوز قيمتها 275 مليار جنيه، لتغطية احتياجات مشروعاتها الاستثمارية.
ويعكس هذا الرقم حجم التوسع في تمويل مشروعات النقل بالاقتراض، في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطًا متزايدة نتيجة الالتزامات المرتبطة بالديون القائمة وفوائدها.
وتبرز هنا إشكالية اقتصادية تتعلق بطبيعة العائد المنتظر من هذه الاستثمارات، والفترة الزمنية اللازمة لاسترداد تكاليفها، ومدى قدرتها على تحقيق إيرادات كافية لتغطية التشغيل والصيانة وخدمة الديون.
ورغم الأهمية الاقتصادية المحتملة لتطوير شبكات النقل وربط المدن والمناطق الصناعية والموانئ، فإن هذه الفوائد تظل مرتبطة بحجم الاستخدام الفعلي للمشروعات، وكفاءة تشغيلها، وقدرتها على دعم النشاط الاقتصادي والإنتاجي.
وفي المقابل، فإن استمرار الاعتماد على الاقتراض دون تحقيق عوائد تتناسب مع حجم الاستثمارات قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الموازنة، خاصة مع طول فترات السداد وارتفاع تكلفة التمويل.
القطار السريع.. استثمارات ضخمة وعوائد قيد الاختبار
يتزامن التمويل الجديد مع اقتراب بدء التشغيل التجريبي للخط الأول من شبكة القطارات الكهربائية السريعة، الذي يمتد لمسافة 675 كيلومترًا، ويربط العين السخنة بمدينة العلمين الجديدة وصولًا إلى مرسى مطروح.
وبحسب تصريحات سابقة لوزير النقل كامل الوزير، من المقرر أن يبدأ التشغيل التجريبي للخط خلال أيام، على أن يستمر لمدة 6 أشهر دون نقل ركاب، تمهيدًا لاستكمال الاختبارات الفنية والتشغيلية اللازمة.
وتراهن الحكومة على المشروع باعتباره أحد أبرز مشروعات تطوير منظومة النقل، من خلال توفير شبكة حديثة تربط مناطق التنمية العمرانية والسياحية والصناعية، وتساهم في تقليص زمن الرحلات وتحسين حركة الانتقال.
لكن حجم الاستثمارات الموجهة إلى المشروع يثير نقاشًا بشأن الجدوى الاقتصادية والمالية، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها قطاعات إنتاجية أخرى تحتاج إلى التمويل لتوسيع نشاطها وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل.
وتتوقف القدرة على تقييم العائد الحقيقي للمشروع على عدة عوامل، أبرزها حجم الطلب المتوقع على خدماته، وأسعار التذاكر، وتكاليف التشغيل والصيانة، ومعدلات نقل الركاب والبضائع، فضلًا عن مساهمته في تنشيط المناطق التي يمر بها.
كما أن التمييز بين العائد الاقتصادي غير المباشر والعائد المالي المباشر يمثل عنصرًا أساسيًا في تقييم هذه المشروعات؛ فقد تحقق شبكات النقل فوائد تنموية واسعة، لكنها لا تحقق بالضرورة إيرادات نقدية تكفي لسداد القروض المستخدمة في إنشائها.
العاصمة الإدارية تستحوذ على تمويلات جديدة
بالتوازي مع مشروع القطار الكهربائي السريع، تستعد الهيئة القومية للأنفاق لبدء التشغيل التجريبي للمرحلة الثالثة من القطار الكهربائي الخفيف، الذي يخدم العاصمة الإدارية الجديدة والمناطق المحيطة بها.
وتمتد المرحلة الجديدة لمسافة 20.4 كيلومتر، وتضم أربع محطات، هي كاتدرائية الميلاد، والقيادة الاستراتيجية، والمدينة الرياضية الدولية، والعاصمة المركزية.
وتنفذ هذه المرحلة من خلال تحالف يضم شركة "أفيك" الصينية، إلى جانب شركتي المقاولون العرب وأوراسكوم.
ويأتي استكمال المشروع ضمن خطة الحكومة لتوسيع شبكة النقل الجماعي المرتبطة بالعاصمة الإدارية، التي استحوذت خلال السنوات الماضية على استثمارات كبيرة في مشروعات البنية التحتية والمرافق والطرق ووسائل النقل.
غير أن استمرار ضخ التمويلات في مشروعات العاصمة الإدارية يطرح تساؤلات بشأن ترتيب أولويات الإنفاق، خاصة في ظل احتياجات المحافظات القائمة إلى تطوير خدمات النقل والمرافق الأساسية، فضلًا عن التحديات التي تواجه قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات العامة.
كما ترتبط الجدوى المالية للقطار الكهربائي الخفيف بمعدلات الإشغال الفعلية وحجم الانتقال اليومي إلى العاصمة الإدارية، ومدى قدرة إيرادات التذاكر على المساهمة في تغطية نفقات التشغيل والصيانة.
قروض صينية بمليارات الدولارات
لم يبدأ تمويل مشروع القطار الكهربائي الخفيف بالقرض المحلي المرتقب، إذ سبق أن اعتمدت الحكومة على قروض خارجية كبيرة لتنفيذ مراحله الأولى.
ففي يوليو 2022، افتتحت الحكومة المرحلتين الأولى والثانية من المشروع، بطول إجمالي بلغ نحو 68 كيلومترًا، وبتكلفة تمويلية وصلت إلى نحو 1.2 مليار دولار، من خلال قرض مقدم من بنك التصدير والاستيراد الصيني.
ولاحقًا، ساهم البنك نفسه في تمويل المرحلة الثالثة بقرض إضافي بلغت قيمته 400 مليون دولار.
وبذلك يصل إجمالي القروض الصينية المذكورة لتمويل المراحل الثلاث إلى نحو 1.6 مليار دولار، بخلاف التمويلات المحلية الجديدة الموجهة إلى أعمال الشركات المصرية.
ويعكس هذا النموذج اعتماد مشروعات النقل الكبرى على مصادر تمويل متعددة، تشمل الاقتراض الخارجي بالعملات الأجنبية والاقتراض المحلي بالجنيه، وهو ما يرتب التزامات مالية مختلفة من حيث أسعار الفائدة ومخاطر تغير سعر الصرف ومواعيد السداد.
وتزداد حساسية هذه الالتزامات في ظل حاجة الاقتصاد المصري إلى تدبير العملات الأجنبية لخدمة الديون الخارجية، بالتزامن مع استمرار الضغوط على موارد النقد الأجنبي.
البنوك بين تمويل الإنتاج وإقراض الحكومة
يثير دخول 9 بنوك محلية في تمويل جديد بقيمة 29 مليار جنيه قضية أوسع تتعلق بتوزيع الائتمان داخل الاقتصاد المصري، ومدى قدرة القطاع المصرفي على توفير التمويلات اللازمة للأنشطة الإنتاجية.
فبينما تحتاج المصانع والشركات الصغيرة والمتوسطة والمشروعات الزراعية إلى قروض لشراء المعدات والخامات وزيادة الإنتاج، تواصل الجهات الحكومية والهيئات الاقتصادية اللجوء إلى البنوك للحصول على تمويلات ضخمة مدعومة بضمانات حكومية.
وقد تؤدي جاذبية الإقراض الحكومي، خاصة في ظل الضمانات المتاحة وارتفاع أسعار الفائدة، إلى تفضيل بعض المؤسسات المصرفية توجيه جانب من سيولتها إلى الجهات العامة بدلًا من تحمل مخاطر تمويل المشروعات الخاصة.
وتُعرف هذه الظاهرة اقتصاديًا باسم «مزاحمة القطاع الخاص»، عندما يؤدي توسع الاقتراض الحكومي إلى تقليص التمويل المتاح للقطاع الخاص أو رفع تكلفته.
ومع ذلك، فإن تحديد مدى حدوث هذه المزاحمة في الحالة المصرية يتطلب تحليل بيانات الائتمان المصرفي وتوزيعه بين الحكومة والقطاع الخاص، وليس مجرد الاستناد إلى قيمة قرض واحد.
وتكمن أهمية هذه القضية في أن توسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة الصادرات يمثلان عنصرين أساسيين لتحسين قدرة الاقتصاد على توليد الموارد اللازمة لسداد التزاماته، وتقليل اعتماده على الاقتراض.
أعباء تمتد لأكثر من عقدين
تكتسب مدة سداد القرض الجديد، التي تتجاوز 20 عامًا، أهمية خاصة في تقييم انعكاساته على المالية العامة.
فالقروض طويلة الأجل قد توفر مرونة في توزيع المدفوعات على سنوات متعددة، لكنها ترتب في المقابل التزامات مستقبلية تمتد عبر موازنات متعاقبة.
وتزداد تكلفة هذه القروض عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة أو متغيرة، كما هو الحال في التمويل المرتبط بأسعار العائد المعلنة من البنك المركزي.
وفي حال افتراض تطبيق فائدة سنوية تبلغ 19.5% على كامل أصل القرض البالغ 29 مليار جنيه، فإن تكلفة الفائدة النظرية خلال عام واحد قد تصل إلى نحو 5.66 مليار جنيه، قبل احتساب أثر السداد التدريجي لأصل الدين أو أي تغييرات لاحقة في سعر الفائدة.
ولا يمثل هذا الرقم تقديرًا للفوائد الفعلية المستحقة على القرض، إذ تتوقف التكلفة النهائية على جدول السحب والسداد، وهامش التسعير، وتحركات أسعار الفائدة خلال مدة التمويل.
لكنه يوضح حساسية التمويلات الضخمة لتغير تكلفة الاقتراض، وأهمية الإفصاح عن الشروط المالية الكاملة للقروض التي تتحمل الخزانة العامة جزءًا من أعبائها.
أولويات اقتصادية محل تساؤل
تعيد خطط الاقتراض الجديدة الجدل بشأن أولويات السياسة الاقتصادية في مصر، خاصة مع استمرار التوسع في مشروعات البنية التحتية والنقل، مقابل الحاجة إلى تعزيز الاستثمارات التي تساهم بصورة مباشرة في زيادة الإنتاج والتصدير.
فمشروعات النقل الحديثة قد تشكل ركيزة مهمة للنمو الاقتصادي إذا ارتبطت بخطط واضحة للتنمية الصناعية والعمرانية، ونجحت في تقليل تكاليف انتقال الأفراد والبضائع ورفع كفاءة النشاط الاقتصادي.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب وجود طلب فعلي ومستدام على خدماتها، إلى جانب دراسات جدوى معلنة توضح تكاليف التنفيذ والتشغيل والعوائد المنتظرة ومصادر سداد الديون.
وفي ظل استمرار الضغوط المالية، تبرز الحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية بشأن الالتزامات التي تتحملها وزارة المالية نيابة عن الهيئات الاقتصادية، ومدى تأثيرها على الإنفاق المخصص للخدمات الأساسية والاستثمارات الإنتاجية.
كما تظل مسألة المفاضلة بين المشروعات الكبرى والاحتياجات الاقتصادية العاجلة من أبرز التحديات التي تواجه صناع القرار، خصوصًا مع محدودية الموارد وارتفاع تكلفة التمويل.
وبينما تستعد الحكومة لبدء التشغيل التجريبي لمشروعات القطارات الكهربائية، يبقى السؤال الاقتصادي الأهم: هل تستطيع هذه المشروعات توليد عوائد مباشرة وغير مباشرة تبرر تكلفتها الضخمة، أم أن أعباء تمويلها ستظل ممتدة لعقود، تتحمل خلالها الموازنة العامة والمواطنون تكلفة قرارات استثمارية لم تتضح نتائجها النهائية بعد؟