أعادت تصريحات المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي، بشأن غياب البرامج الانتخابية لدى مرشحين سابقين للرئاسة، فتح ملف الوعود الانتخابية والمحاسبة السياسية في مصر، وسط انتقادات لما اعتبره معارضون تناقضًا واضحًا بين حديثه عن افتقار الآخرين إلى برامج محددة، وتصريحاته السابقة التي أقر فيها بأنه لا يقدم وعودًا انتخابية للمصريين، ولا يطرح برنامجًا تقليديًا يمكن محاسبته على أساسه.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة عند استعادة الانتخابات الرئاسية التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، وتحديدًا انتخابات عام 2012، التي خاضها الرئيس الراحل الشهيد محمد مرسي ببرنامج انتخابي معلن تحت عنوان "مشروع النهضة"، تضمن رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية، ومقترحات لإصلاح مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية.
ويطرح التناقض بين تصريحات السيسي السابقة وحديثه الأخير تساؤلات بشأن المعايير التي يستخدمها لتقييم البرامج الانتخابية، ومدى التزامه شخصيًا بتقديم رؤية واضحة للناخبين، في ظل انتقادات متواصلة لغياب آليات المحاسبة السياسية وتراجع التنافسية الانتخابية خلال سنوات حكمه.
السيسي ينتقد غياب البرامج.. وتصريحاته السابقة تلاحقه
أثار حديث السيسي عن لقائه مرشحين للرئاسة وسؤالهم عن برامجهم الانتخابية، واكتشافه بحسب روايته أنهم لا يمتلكون برامج محددة، موجة من التساؤلات حول مدى اتساق هذه التصريحات مع مواقفه السابقة.
فالرجل الذي ينتقد اليوم افتقار الآخرين إلى برامج انتخابية، سبق أن تحدث عن عدم تقديمه وعودًا للمصريين، في خطاب سياسي ارتكز على المطالبة بالثقة والتفويض وتحمل التضحيات، أكثر من اعتماده على برنامج انتخابي تفصيلي يتضمن أهدافًا قابلة للقياس والمحاسبة.
ويستعيد منتقدو السيسي في هذا السياق تصريحاته التي أكد فيها أنه لا يقدم وعودًا تقليدية، معتبرين أن هذه المواقف تعكس تصورًا للعلاقة بين الحاكم والمواطن يقوم على منح الثقة للسلطة دون تحديد التزامات واضحة يمكن مساءلتها بشأنها.
ويشير هؤلاء إلى أن المفارقة لا تتعلق بمجرد اختلاف في أساليب الدعاية الانتخابية، وإنما تمتد إلى جوهر العملية الديمقراطية، التي يُفترض أن تقوم على تنافس البرامج والرؤى، ومنح المواطنين الحق في الاختيار بين بدائل سياسية واقتصادية واجتماعية محددة.
فوجود برنامج انتخابي معلن لا يعني بالضرورة نجاح صاحبه في تنفيذه، لكنه يوفر وثيقة يمكن الرجوع إليها لتقييم الأداء ومقارنة النتائج بالتعهدات، وهو ما يجعل غياب البرنامج التفصيلي إشكالية تتجاوز حدود الحملات الانتخابية إلى مسألة المحاسبة السياسية.
مشروع النهضة.. برنامج انتخابي في مواجهة رواية السيسي
في مقابل حديث السيسي عن غياب البرامج الانتخابية، تبرز تجربة الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، الذي خاض الانتخابات الرئاسية عام 2012 ببرنامج معلن حمل اسم "مشروع النهضة"، وقدم من خلاله تصورًا لإعادة بناء الدولة المصرية بعد ثورة يناير.
ولم يقتصر البرنامج على الشعارات السياسية العامة، بل تناول ملفات الحكم والإدارة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والتعليم والصحة والإسكان والزراعة والصناعة والطاقة والعلاقات الخارجية.
واستند المشروع إلى مرجعية إسلامية أعلن أصحابها انطلاقها من فهم وسطي للشريعة، مع الربط بين إصلاح النظام السياسي وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمصريين.
وطرح البرنامج رؤية تقوم على استعادة دور المواطن في صناعة القرار، وتعزيز سيادة القانون، وتوسيع المشاركة السياسية، وإعادة توزيع السلطات بما يضمن الحد من الاستبداد وترسيخ الرقابة والمساءلة.
ورغم أن وجود هذه الرؤية لا يحسم مدى واقعيتها أو قابليتها للتنفيذ، فإن الإعلان عنها وتقديمها للناخبين يمثلان فارقًا مهمًا في المقارنة بين تجربة انتخابية قامت على برنامج مكتوب، وخطاب انتخابي يتجنب تقديم التزامات تفصيلية.
إصلاح الدولة.. سلطة تخضع للمحاسبة
احتل الإصلاح السياسي والمؤسسي موقعًا رئيسيًا في برنامج مرسي الانتخابي، الذي دعا إلى بناء دولة تقوم على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والتداول السلمي للحكم، وحماية الحقوق والحريات العامة.
وتضمن المشروع توجهًا نحو الانتقال التدريجي إلى نظام شبه برلماني، وتوسيع صلاحيات الحكم المحلي، وتعزيز الرقابة على مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد الإداري والمالي.
كما أكد مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون، وحماية حقوق المسيحيين، وإتاحة المجال أمام مختلف القوى السياسية للمشاركة في إدارة الشأن العام.
وكانت الفكرة الأساسية التي قدمها البرنامج أن شرعية السلطة لا تنفصل عن خضوعها للمساءلة، وأن المواطن لا يقتصر دوره على التصويت في الانتخابات، بل يمتد إلى مراقبة أداء المؤسسات ومحاسبة المسؤولين.
وتبدو هذه المبادئ ذات دلالة في ظل الانتقادات الحقوقية والسياسية التي تواجه نظام السيسي، والمتعلقة بتراجع المجال العام وتقييد نشاط الأحزاب والمعارضة، وضعف فرص المنافسة السياسية الحقيقية.
العدالة الاجتماعية.. الأجور والمعاشات ومواجهة الغلاء
لم يتوقف مشروع النهضة عند إصلاح المؤسسات السياسية، بل امتد إلى الملفات المعيشية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
فقد طرح البرنامج إصلاح منظومة الأجور والمعاشات، وتوسيع مظلة التأمينات الاجتماعية، وتحسين أوضاع العمال والفلاحين، ومواجهة الاحتكار، وتعزيز حماية الفئات الأكثر احتياجًا.
كما تناول دعم الفقراء وذوي الإعاقة، وتفعيل أدوات التكافل الاجتماعي، بما فيها الزكاة والأوقاف، ضمن رؤية تستهدف تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع عوائد التنمية.
وربط المشروع بين النمو الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطنين، انطلاقًا من أن زيادة الإنتاج والاستثمار لا تحقق أهدافها الاجتماعية ما لم تنعكس على دخول الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وتستعيد هذه المحاور أهميتها في ظل الأزمات الاقتصادية التي تشهدها مصر، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع القوة الشرائية للجنيه، واتساع الضغوط المعيشية على قطاعات واسعة من المواطنين.
وتثير هذه الأوضاع تساؤلات بشأن نتائج السياسات الاقتصادية التي تبناها السفيه السيسي، ومدى انعكاس المشروعات الكبرى والتوسع في الإنفاق الاستثماري على تحسين مستويات المعيشة، مقارنة بالأعباء التي تحملتها الأسر المصرية خلال السنوات الماضية.
التعليم والصحة.. الإنسان محور التنمية
وضع برنامج الرئيس الشهيد مرسي الإنسان في قلب العملية التنموية، من خلال التركيز على إصلاح التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية، وتحسين الخدمات الأساسية.
ودعا إلى تطوير المناهج التعليمية، والارتقاء بمستوى المعلمين، وربط البحث العلمي باحتياجات الاقتصاد والإنتاج، بما يسهم في بناء قاعدة معرفية تدعم التنمية.
كما تناول توسيع نطاق الرعاية الصحية، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وتوفير السكن الملائم ومياه الشرب النظيفة، والاهتمام بحماية البيئة.
وامتدت الرؤية إلى تمكين الشباب والمرأة، ورعاية الطفولة والأسرة، وتعزيز مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في التنمية.
وكان البرنامج ينطلق من تصور يعتبر الاستثمار في الإنسان شرطًا أساسيًا للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد بند إضافي في الموازنة العامة.
وفي المقابل، تواجه قطاعات التعليم والصحة في مصر انتقادات مستمرة تتعلق بجودة الخدمات، ونقص الإمكانات في عدد من المؤسسات، وارتفاع الأعباء المالية التي يتحملها المواطنون للحصول على خدمات أساسية.
الاقتصاد والإنتاج.. رؤية لتطوير الصناعة والزراعة
على المستوى الاقتصادي، تضمن مشروع النهضة توجهات لتنشيط الإنتاج المحلي، وتوسيع الاستثمارات، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والنقل.
وطرح البرنامج تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، والاستفادة من أدوات التمويل الإسلامي، إلى جانب تحسين بيئة الاستثمار وتشجيع المشروعات الإنتاجية.
كما تضمن مشروعات للتنمية الإقليمية، من بينها تعمير سيناء، وتنمية الساحل الشمالي الغربي، وتطوير وادي التكنولوجيا بالإسماعيلية، وتحديث الموانئ وشبكات النقل.
وكان الهدف المعلن هو إعادة توزيع فرص التنمية جغرافيًا، وتقليل التفاوت بين المحافظات، وتوفير فرص عمل جديدة للشباب، واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية بصورة أكثر كفاءة.
وتبرز أهمية هذه الرؤية عند مقارنتها بالجدل الدائر حول أولويات الإنفاق العام في عهد السيسي، خاصة مع التوسع في المشروعات العقارية والبنية التحتية، مقابل مطالبات اقتصادية بإعطاء أولوية أكبر للصناعة والزراعة والتصدير والمشروعات القادرة على توليد النقد الأجنبي.
ولا تعني هذه المقارنة أن مشروع النهضة كان سيحقق بالضرورة أهدافه الاقتصادية، لكنها تكشف وجود تصور انتخابي معلن يمكن مناقشة جدواه وتقييم أولوياته، بدلًا من الاكتفاء بتعهدات عامة يصعب إخضاعها للقياس.
إصلاح الشرطة وحماية الحريات
خصص برنامج الرئيس الشهيد مرسي جانبًا لإصلاح المؤسسات الأمنية، وإعادة بناء العلاقة بين الشرطة والمواطنين على أساس احترام القانون وصيانة الحقوق والحريات.
وتضمنت الرؤية تطوير أداء الأجهزة الأمنية، وتعزيز الرقابة القانونية على عملها، واستعادة الثقة بين المواطنين ومؤسسات إنفاذ القانون.
وجاءت هذه التوجهات في سياق مطالب ثورة يناير، التي وضعت إنهاء الانتهاكات الأمنية ومحاسبة المسئولين عنها ضمن أولويات التغيير السياسي.
وتعيد هذه المحاور إلى الواجهة الفارق بين البرامج التي تتعهد بإصلاح المؤسسات الأمنية وتوسيع الحريات، والواقع السياسي والحقوقي الذي تشهده مصر حاليًا، في ظل شكاوى المنظمات الحقوقية من استمرار الحبس الاحتياطي المطول وتقييد المجال العام.
السياسة الخارجية.. استقلال القرار وحماية المصالح المصرية
امتدت رؤية مشروع النهضة إلى السياسة الخارجية، حيث دعا إلى استعادة الدور الإقليمي لمصر، وتعزيز علاقاتها العربية والإفريقية والإسلامية، وتبني سياسة دولية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية.
وتناول البرنامج دعم الحقوق الفلسطينية، وحماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على الحقوق المائية في نهر النيل، وتطوير العلاقات مع دول حوض النيل.
كما طرح توسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية الدولية، بما يُعزز استقلال القرار المصري ويحد من التبعية الخارجية.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة في ضوء التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها أزمة سد النهضة الإثيوبي، والتحولات في العلاقات الإقليمية، والتحديات المرتبطة بالأمن القومي المصري.
بين البرنامج الانتخابي والتفويض المفتوح
تكشف المقارنة بين مشروع النهضة والخطاب الانتخابي للسيسي عن اختلاف في طريقة تقديم السلطة نفسها إلى المواطنين.
ففي الحالة الأولى، قدم الرئيس الشهيد، مرسي وثيقة انتخابية تضمنت توجهات ومشروعات في قطاعات متعددة، وأتاح بذلك أساسًا نظريًا لمناقشة أولوياته ومحاسبته على ما تعهد به.
أما السفيه، السيسي، فقد ارتبط خطابه السياسي منذ وصوله إلى السلطة بالدعوة إلى الثقة في القيادة، وتحمل الإجراءات الاقتصادية الصعبة، وتغليب اعتبارات الأمن والاستقرار على التنافس السياسي.
ويرى منتقدوه أن هذا النهج أسهم في إضعاف فكرة البرنامج الانتخابي باعتباره عقدًا سياسيًا بين المرشح والناخبين، وحوّل الانتخابات إلى مناسبات لتجديد الثقة في الحاكم بدلًا من المفاضلة بين مشروعات سياسية متنافسة.
كما يشيرون إلى أن غياب الالتزامات التفصيلية يتيح للسلطة مساحة واسعة لتغيير أولوياتها دون أن تواجه محاسبة انتخابية مباشرة بشأن الوعود التي قدمتها.
ومع ذلك، فإن التقييم الموضوعي لأي تجربة سياسية يقتضي التمييز بين وجود برنامج انتخابي وبين القدرة على تنفيذه؛ إذ إن حكومة مرسي واجهت خلال عامها الوحيد في الحكم أزمات سياسية واقتصادية ومؤسسية حادة، قبل أن ينهي الجيش رئاسته في الثالث من يوليو 2013.
لكن قصر مدة التجربة والجدل حول نتائجها لا ينفي حقيقة أن مرسي خاض الانتخابات ببرنامج معلن، وهو ما يجعل تعميم القول بغياب البرامج الانتخابية موضع اعتراض تاريخي وسياسي.
ذاكرة المصريين في مواجهة تصريحات السيسي
تتجاوز القضية حدود المقارنة بين شخصين أو تجربتين سياسيتين، لتطرح سؤالًا أوسع بشأن علاقة السلطة بالذاكرة العامة، ومدى إمكانية إعادة تقديم الوقائع التاريخية بصورة تتجاهل الوثائق والتصريحات السابقة.
فالتاريخ الانتخابي المصري، وخاصة انتخابات 2012، يتضمن برامج ووثائق ومناقشات سياسية لا يمكن إغفالها عند الحديث عن وجود البرامج الانتخابية من عدمه.
وكان مشروع النهضة أحد أبرز هذه البرامج، بصرف النظر عن المواقف السياسية المتباينة من جماعة الإخوان المسلمين أو تقييم تجربة حكم محمد مرسي.
وفي المقابل، تظل تصريحات السيسي السابقة بشأن الوعود الانتخابية جزءًا من سجله السياسي، يمكن الرجوع إليها عند تقييم حديثه الحالي عن ضرورة امتلاك المرشحين برامج واضحة.
وتبقى المفارقة الأساسية أن السيسي، الذي ينتقد اليوم غياب البرامج لدى الآخرين، هو نفسه الذي اشتهر بخطاب انتخابي يرفض تقديم الوعود التقليدية، في وقت تتزايد فيه الأسئلة بشأن حصيلة أكثر من اثني عشر عامًا من حكمه، وما تحقق للمصريين من تغيير في مستويات المعيشة والخدمات والحريات.
وبين برنامج انتخابي معلن قدمه الرئيس الشهيد مرسي عام 2012، وتصريحات سابقة للسيسي تنأى عن تقديم الوعود، يصبح السؤال المطروح: كيف يطالب السيسي الآخرين ببرامج انتخابية محددة، بينما لم يقدم هو نفسه برنامجًا تفصيليًا يتيح للمواطنين محاسبته على تعهدات واضحة؟
وهو سؤال لا يتعلق بالماضي وحده، بل بمستقبل العملية السياسية في مصر، وبحق المصريين في أن يعرفوا ما الذي يعدهم به من يطلب أصواتهم، وكيف يمكن محاسبته إذا أخفق في تنفيذ تلك الوعود.