استعرض د.كمال الجندي، الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، في مراجعة تحليلية لكتاب "الإخوان المسلمون والغرب"، للباحث والأكاديمي مارتن فرامبتون، مجموعة من القضايا المتعلقة بتاريخ العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والعواصم الغربية، وفي الفصل السابع من الكتاب والذي عاصره أغلب المعنيين بقراءة هذا التاريخ، وبدأ فيه من ثورات الربيع العربي وصعود الجماعة إلى السلطة في مصر، مرورًا بأحداث عام 2013، وصولًا إلى محاولات تصنيفها دوليًا خلال إدارتي باراك أوباما ودونالد ترامب.
وتتناول المراجعة، المنشورة عبر حساب الجندي على موقع فيسبوك، الفصول من السابع حتى الثاني عشر، مركزة على التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية والبريطانية تجاه الجماعة، والمخاوف الصهيونية من تداعيات صعودها السياسي، والجدل القانوني والسياسي بشأن إدراجها على قوائم الإرهاب في الدول الغربية.
وتقدم المراجعة قراءة نقدية تعتبر أن خطاب شيطنة الإخوان تجاوز الخلاف السياسي الداخلي، وأن توظيفه في الصراعات الإقليمية أسهم في تعميق الانقسامات داخل المجتمعات العربية، وتستند هذه الأطروحة إلى قراءة الجندي للكتاب، الذي يتناول تاريخ العلاقة بين الجماعة والغرب، فيما تظل الاستنتاجات المتعلقة بوجود تنسيق أو هندسة خارجية متعمدة بحاجة إلى تقييم مستقل لكل وثيقة أو واقعة يجري الاستناد إليها.
الربيع العربي وصعود الإخوان.. ارتباك في الحسابات الغربية
يتناول الفصل السابع، بحسب عرض الجندي، الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2012، حين أدى سقوط نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في مصر، وصولًا إلى فوز حزب الحرية والعدالة في الانتخابات البرلمانية، ثم انتخاب محمد مرسي رئيسًا للجمهورية في عام 2012.
وتقول المراجعة: "إن فرامبتون يركز في هذا السياق على حالة الارتباك التي أصابت دوائر صنع القرار الغربية والصهيونية أمام التحولات السريعة في مصر، التي ظلت لعقود شريكًا رئيسيًا في ترتيبات الأمن الإقليمي، ولا سيما ما يتعلق باتفاقية السلام المصرية الصهيونية".
وبحسب قراءة الجندي، انصبت الحسابات الأمريكية والبريطانية على اختبار توجهات القيادة المصرية الجديدة، ومدى التزامها بالاتفاقيات القائمة، ومواقفها من أمن الحدود في سيناء والعلاقات مع الكيان الصهيوني، كما تتناول المراجعة المخاوف الصهيونية من انعكاسات وصول تيار إسلامي إلى السلطة على التوازنات السياسية والإقليمية.
وتربط المراجعة هذه المخاوف بالموقف المصري خلال حرب غزة في نوفمبر 2012، حين اضطلعت القاهرة بدور الوساطة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ويرى الجندي أن هذه المرحلة أبرزت أهمية الدور المصري في القضية الفلسطينية، وأثارت تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الإقليمية في ظل القيادة الجديدة.
وتخلص قراءة الجندي إلى أن صعود الإخوان لم يكن مجرد تحول في السلطة المصرية، بل مثّل اختبارًا للعلاقات بين التحول الديمقراطي والمصالح الأمنية الغربية والصهيونية. غير أن إثبات وجود خطة خارجية منظمة لإجهاض التجربة يقتضي الاستناد إلى وثائق محددة يمكن فحصها، وليس الاكتفاء باستنتاجات المراجعة.
من الاستقطاب الداخلي إلى الانقلاب على مرسي في 2013
ينتقل الفصل الثامن، وفق عرض الجندي، إلى الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2013، متناولًا تصاعد الخلافات السياسية خلال رئاسة مرسي، وتفاقم الاستقطاب المجتمعي، ثم الانقلاب الذي نفذه الجيش عليه في يوليو 2013، وما أعقب ذلك من حظر للجماعة في مصر وتصعيد المواجهة معها.
وتشير المراجعة إلى أن الكتاب يناقش كيفية تعامل المؤسسات الغربية مع الأزمة المصرية، في ظل التوتر بين دعم المسار السياسي من جهة، والحفاظ على الاستقرار الأمني والمصالح الاستراتيجية من جهة أخرى.
ويقدم الجندي قراءة مفادها أن الاستقطاب الداخلي والأخطاء السياسية والإدارية خلال فترة حكم مرسي وفرت بيئة ملائمة لإعادة ترجيح المقاربة الأمنية، على حساب استمرار التجربة الديمقراطية، كما يرى أن التطورات اللاحقة أسهمت في نقل الخلاف من ساحة المنافسة السياسية إلى ساحة المواجهة الشاملة.
وتضع المراجعة الموقف الصهيوني ضمن هذا السياق، معتبرة أن إبعاد الإخوان عن السلطة أزال أحد مصادر القلق بشأن مستقبل العلاقة المصرية الصهيونية والقضية الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، تطرح قراءة الجندي سؤالًا أوسع عن أثر إقصاء القوى السياسية المنظمة في فرص التوافق الوطني، وعن انعكاسات تحويل الخصومة السياسية إلى مواجهة مفتوحة على الاستقرار الداخلي ودور مصر الإقليمي.
المراجعة البريطانية.. بين الضغوط السياسية ومتطلبات التصنيف القانوني
يتناول الفصل التاسع، بحسب المراجعة، الفترة من 2014 إلى 2016، مع التركيز على المراجعة الحكومية البريطانية لنشاط جماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عام 2014، وأسندت قيادتها إلى السفير البريطاني السابق جون جنكينز.
وتبرز هذه المحطة في النقاش بشأن الفارق بين المواقف السياسية من الجماعة وبين الأسس القانونية والأمنية اللازمة لتصنيفها منظمة إرهابية، وتعرض المراجعة نتائج التحقيق البريطاني باعتبارها أكثر تعقيدًا من الدعوات المطالبة بحظر شامل، مع التمييز بين عضوية الجماعة أو الانتماء الفكري إليها وبين ثبوت المشاركة في أعمال عنف.
ويشير هذا الملف إلى أهمية عدم التعامل مع الجماعات ذات الامتدادات الدولية باعتبارها كيانًا واحدًا متطابق السلوك في جميع البلدان، وإلى ضرورة تقييم أنشطة الفروع والأفراد وفق الأدلة والوقائع المحددة.
كما تطرح المراجعة مسألة الضغوط الإقليمية والدولية التي صاحبت النقاش بشأن تصنيف الإخوان، وتعتبر أن الخلاف حول هذا الملف لم يكن أمنيًا فحسب، بل ارتبط أيضًا بحسابات السياسة الخارجية والعلاقات مع الحلفاء ومواقف الأطراف المختلفة من القضية الفلسطينية.
ترامب وإدراج الجماعة على قوائم التصنيف
يرصد الفصل العاشر، وفق عرض الجندي، التحولات التي طرأت على السياسة الأمريكية مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2017، وتصاعد الدعوات داخل إدارته لإدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وتقول المراجعة: "إن هذا التوجه أثار نقاشًا بشأن التداعيات القانونية والاستراتيجية لتصنيف الجماعة بكامل امتداداتها، في ظل اتساع نطاقها التنظيمي والفكري وتباين أنشطة الفروع المرتبطة بها من بلد إلى آخر.
كما تطرح المراجعة تساؤلات حول أثر التوسع في التصنيفات الأمنية على العلاقات الأمريكية مع الدول التي تتعامل مع أحزاب أو تيارات إسلامية ذات حضور سياسي واجتماعي، وعلى فرص التمييز بين النشاط السياسي والعنف المسلح".
ويربط الجندي هذه التطورات بتقاطع بعض التوجهات اليمينية الأمريكية مع أولويات الحكومة الصهيونية، معتبرًا أن تصنيف الإخوان كان جزءًا من صراع أوسع على مستقبل الإسلام السياسي وموقعه في المنطقة.
ومع ذلك، فإن تقييم مدى تأثير جماعات الضغط أو الحسابات الصهيونية في قرارات الإدارة الأمريكية يتطلب الرجوع إلى السجلات الرسمية والمواقف المعلنة والوثائق ذات الصلة، والتمييز بين وجود تقارب في المصالح وبين إثبات أن طرفًا بعينه وجّه القرار أو صاغه.
تركيا وقطر والأردن.. الامتدادات الإقليمية في الحسابات الغربية
يتناول الفصل الحادي عشر، بحسب المراجعة، امتداد حضور الإخوان المسلمين خارج مصر، مع التركيز على النماذج الأردنية والتركية والقطرية، واختلاف طبيعة العلاقة بين الجماعة ومؤسسات الدولة في كل حالة.
وتشير المراجعة إلى أن التعامل مع التيارات الإسلامية في الأردن يختلف عن التعامل معها في تركيا وقطر، سواء من حيث المشاركة في الحياة السياسية أو طبيعة المساحات المتاحة للنشاط الإعلامي والسياسي.
ويرى الجندي أن الخلافات بشأن هذه الامتدادات تحولت إلى أحد ملفات التنافس الإقليمي، إذ اختلفت الحكومات العربية والغربية في تقدير طبيعة الجماعة، وحدود التعامل معها، وانعكاسات وجودها على الاستقرار السياسي والأمني.
وتطرح هذه المقارنة سؤالًا بشأن مدى صلاحية التعميم في تصنيف الحركات الإسلامية، في ظل اختلاف البيئات الوطنية والأطر القانونية والسياسية التي تعمل داخلها.
كما تربط المراجعة بين التنافس على ملف الإخوان وبين الاستقطاب بين المحاور الإقليمية، وما ترتب عليه من توتر في العلاقات بين بعض الدول العربية والإسلامية.
حدود المقاربة الأمنية ومستقبل العلاقة بين الإسلام السياسي والغرب
يخصص فرامبتون الفصل الثاني عشر لخلاصة تاريخ العلاقة بين الإخوان المسلمين والغرب، وفق عرض الجندي، متناولًا تطور المواقف الغربية من الجماعة منذ تأسيسها عام 1928 وحتى السنوات الأخيرة من العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين.
وتتمحور قراءة الجندي حول أن المقاربات الأمنية التي تختزل الإسلام السياسي في ملف الإرهاب لا تفسر وحدها طبيعة الظاهرة، ولا تكفي لفهم امتداداتها الاجتماعية والسياسية، كما يرى أن استبعاد التيارات المنظمة من المجال العام قد يفاقم الاستقطاب ويضعف فرص بناء توافقات سياسية مستدامة.
وتدعو هذه القراءة إلى التمييز بين الخلاف الفكري والسياسي وبين المسؤولية القانونية عن أفعال محددة، وإلى الاحتكام إلى القانون والمؤسسات وآليات المنافسة السياسية بدلًا من تعميم الاتهامات على تيارات واسعة أو التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة.
وتربط المراجعة هذه الخلاصات بالقضية الفلسطينية، معتبرة أن الانقسامات العربية الداخلية تؤثر في قدرة الدول والمجتمعات على تنسيق مواقفها تجاه الصراع مع الكيان الصهيوني، وأن استمرار الاستقطاب يحد من فرص بناء سياسات إقليمية مشتركة.
ماذا تكشف المراجعة عن أطروحة الكتاب؟
ومن أهم الخلاصات التي توصل إليها د. كمال الجندي في قراءته لكتاب "الإخوان المسلمون والغرب" لكتابه الأكاديمي مارتن فرامبتون، يمكن تلخيص أبرز الاستنتاجات التي يتبناها في النقاط التالية:
1. الارتباك الغربي أمام الربيع العربي: يرى الجندي أن سقوط نظام حسني مبارك وصعود جماعة الإخوان المسلمين عبر الانتخابات في مصر عام 2012 وضعا الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني أمام تحولات سياسية وإقليمية لم تكن نتائجها مضمونة بالنسبة إلى مصالحها.
2. تداخل الديمقراطية مع الحسابات الأمنية: بحسب قراءة الجندي، لم تكن مواقف العواصم الغربية من حكم محمد مرسي مرتبطة فقط بأداء حكومته، بل تأثرت أيضًا باعتبارات أمن الكيان الصهيوني، واستمرار اتفاقية السلام، ومستقبل التوازنات الإقليمية.
3. القضية الفلسطينية بوصفها محورًا في الحسابات الإقليمية: يربط الجندي بين المخاوف الصهيونية من صعود الإخوان وبين مواقف الجماعة من الكيان الصهيوني وفلسطين، مستشهدًا بالدور المصري في الوساطة خلال حرب غزة في نوفمبر 2012، وما أثاره ذلك من نقاش بشأن موقع مصر الإقليمي.
4. استغلال الاستقطاب الداخلي بعد عام 2013: يرى الجندي أن الانقسامات السياسية والأخطاء التي شهدتها فترة حكم مرسي أسهمت في تهيئة الظروف لإقصاء الجماعة من السلطة، وأن تغليب المقاربة الأمنية أدى إلى انتقال الصراع من التنافس السياسي إلى المواجهة الشاملة.
5. الفارق بين الحظر السياسي والتصنيف القانوني: يبرز تحليل الجندي المراجعة البريطانية لنشاط الإخوان المسلمين، التي أُطلقت عام 2014، باعتبارها محطة مهمة في النقاش الغربي حول الجماعة، والفصل بين تقييم توجهاتها السياسية وتوافر الأدلة القانونية اللازمة لتصنيفها منظمة إرهابية.
6. محاولات تدويل ملف الإخوان: يعتبر الجندي أن النقاش بشأن تصنيف الجماعة في الولايات المتحدة وأوروبا لم يكن منفصلًا عن الضغوط السياسية والإقليمية، ويربط بين هذه التحركات والخلافات حول مستقبل الإسلام السياسي ودوره في المنطقة.
7. تباين المواقف الغربية من الإسلام السياسي: تشير المراجعة إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تتعاملا بالضرورة مع الجماعة وفروعها بالطريقة نفسها، وأن اعتبارات القانون والأمن والعلاقات مع الحلفاء أسهمت في تشكيل مواقف متباينة من مسألة الحظر والتصنيف.
8. تأثير الصراع الإقليمي في العلاقات العربية: يرى الجندي أن الخلاف بشأن الإخوان تجاوز الحالة المصرية، وامتد إلى العلاقات بين دول المنطقة، خصوصًا في ظل اختلاف المواقف من الجماعة وأدوار تركيا وقطر والأردن، وما صاحب ذلك من استقطاب سياسي ودبلوماسي.
9. مخاطر اختزال الإسلام السياسي في المقاربة الأمنية: من أبرز خلاصات الجندي أن التعامل مع التيارات الإسلامية باعتبارها ملفًا أمنيًا محضًا قد يؤدي إلى إقصاء قوى اجتماعية وسياسية واسعة، ويحد من فرص التسوية والتوافق داخل المجتمعات.
10. تحويل الخصومة السياسية إلى استقطاب مجتمعي: يرى الجندي أن تصوير الخصم السياسي باعتباره عدوًا مطلقًا يضعف فرص المصالحة الوطنية، ويعمق الانقسامات الداخلية، ويصرف الاهتمام عن القضايا المشتركة، وفي مقدمتها التنمية والاستقرار والقضية الفلسطينية.
11. التمييز بين الوقائع التاريخية وتفسير دوافع الأطراف: تقوم أطروحة الجندي على أن المصالح الغربية والصهيونية أسهمت في تشكيل المواقف من الإخوان، لكنه يربط عددًا من الوقائع باستنتاج أوسع عن وجود هندسة خارجية للشيطنة والإقصاء. ويظل إثبات هذا الاستنتاج مرهونًا بفحص الوثائق الأصلية التي يستند إليها الكتاب، والتمييز بين الوقائع الموثقة وتفسير دوافع صانعي القرار.
12. التوافق الوطني بديلًا عن الاستئصال السياسي: تنتهي قراءة الجندي إلى الدعوة لوقف خطاب التخوين والشيطنة، والاحتكام إلى القانون والمواطنة والتعددية السياسية، باعتبارها أسسًا لتقليل الاستقطاب وإتاحة المجال أمام مشاركة مختلف التيارات في الحياة العامة.
https://www.facebook.com/photo?fbid=122250649430285425&set=a.122129551448285425