من حفلات التخرج إلى صناع المحتوى… جرائم “الترند” تهدد المجتمع المصرى فى زمن العصابة

- ‎فيتقارير

يواجه المجتمع المصري فى زمن الانقلاب ظواهر غريبة تكشف عن الفساد والانهيار الأخلاقى والقيمى الذى انتشر بسبب سياسات عصابة العسكر. من هذه الكوارث «ظاهرة المسخ» شخصيات ترتدى ملابس غريبة وتتحدث بطرق أغرب، لا يهمها سوى التريند وافتعال المعارك الكلامية لشد الانتباه وتحقيق الملايين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

كثيرون يبحثون عن الشهرة ولو على حساب الأخلاق، وهؤلاء  طفوا على سطح المجتمع، وانتهكوا الأخلاق والقيم من أجل الربح السريع، وأصبحوا نماذج ضارة أهدرت منظومة القيم المجتمعية وجعلت الشباب يفقدون الثقة في قيم التعليم والأدب والأخلاق.

من شواطئ الساحل الشمالي ظهر جيل جديد من أشباه الفنانين وبلوجرز التيك توك ليصنعوا تريندات قائمة على الإسفاف والألفاظ الصادمة، ليجد المجتمع نفسه وجهًا لوجه أمام ظاهرة مقلقة تحول فيها السقوط القيمى إلى مادة للثراء السريع.

هذه المظاهر وصلت إلى الحرم الجامعي حيث حفلات التخرج التي تحولت إلى ساحات استعراضية للطالبات تخرج عن المألوف الأكاديمي، بعد الاستعانة بمؤثرين لتقديم فقرات راقصة مصحوبة بأغاني مهرجانات ذات كلمات هابطة وتصرفات غير منضبطة.

أيضًا تُقام حفلات ضخمة لصناع المحتوى بمناسبة أعياد ميلادهم فى مطاعم وفنادق شهيرة بالقاهرة والشيخ زايد، تتضمن مظاهر مالية مستفزة ووصلات رقص وبثًا مباشرًا لألفاظ خارجة سببت إزعاجًا للمواطنين.

 

أعراض مرضية

فى هذا السياق أكد الدكتور محمود السماسيرى، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة سوهاج، أن هذه الممارسات لا يمكن اعتبارها مجرد «مرح عابر» أو حرية شخصية، بل هى أعراض مرضية وتشوهات أخلاقية متصاعدة تُغذيها خوارزميات المنصات التى تسعى خلف «التريند» وحصد المكاسب المادية الرخيصة على حساب القيم والثوابت، مشيرا إلى المسئولية التاريخية والوطنية للإعلام، باعتباره خط الدفاع الأول وقاطرة التنوير المسئولة عن تشكيل الوعى الجمعى وعلاج المجتمع من هذه الانحرافات القيمية.

وقال السماسيرى فى تصريحات صحفية، إن دور الإعلام فى هذه المرحلة الحرجة يتجاوز بكثير نقل الأخبار والتغطية السطحية للحدث، مشددا على أن التغطية التقليدية التى تكتفى بالاستنكار أو الإدانة اللحظية قد تُسهم – عن غير قصد- فى الترويج لهذه النماذج السلبية ومنحها حجمًا أكبر من حجمها الحقيقى.

وطالب بأن يتحول الخطاب الإعلامى إلى استراتيجية استباقية وعلاجية عميقة تقوم على تفكيك هذه الظواهر، وتعرية زيفها، وبيان أثرها المدمر على عقول النشء والشباب.

وأوضح السماسيرى أن «علاج المجتمع» من هذه التشوهات لا يعنى أبدًا الانغلاق أو مصادرة البهجة، فالمجتمع الحى هو الذى يعرف كيف يفرح بوعى ورقى، مشيرًا إلى أنّ الخلل يكمن فى الخلط المتعمد بين التعبير المشروع عن الفرح والانفلات السلوكى الذى يهدم منظومة الأخلاق العامة.

 

نماذج مضيئة

وأشار إلى أن وسائل الإعلام مطالبة بإعادة الاعتبار للقدوة الحقيقية، عبر تسليط الضوء على النماذج الشبابية المضيئة والمشرفة فى مجالات العلم والثقافة والابتكار، بدلًا من ترك الساحة خالية أمام «النجوم المزيفين» الذين يصدرون تفاهاتهم للمجتمع بوصفها بطولات.

وأكد السماسيرى أن الإعلام لا يمكنه خوض هذه المعركة بمعزل عن المؤسسات الأخرى؛ موضحا أن هناك حاجة ملحة لتكامل حقيقى وفعال يجمع بين المنظومة الإعلامية، والمؤسسات الدينية والتعليمية، والأسرية، والتشريعية.

وقال إن بناء حصانة أخلاقية لدى الشباب يتطلب تضافر الجهود لغرس الانتماء، وحماية عقول الأجيال القادمة من التلوث القيمى الذى تفرضه بعض تطبيقات الفضاء الرقمى، مشيرًا إلى أن حراسة الفضيلة وصيانة الهوية لم تعد ترفًا فكريًا، بل هى ضرورة وجودية لاستقرار المجتمع وتقدمه.

 

الثراء والشهرة

قال الخبير القانوني أحمد زكريا إن هذه المظاهر الغريبة تعتمد على تحويل التفاهة والابتذال إلى محتوى يحقق أعلى نسب مشاهدة وأرباح، وبالتالى يتم خلق قدوات وهمية للمراهقين والشباب تكرس فكرة أن الثراء والشهرة يمكن نيلهما بلا جهد أو قيمة حقيقية.

وطالب «زكريا» فى تصريحات صحفية بمواجهة هذه المظاهر عبر منظومة متكاملة لا تكتفى بالتدخلات الأمنية أو الأحكام القضائية، بل تفعيل دور المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية لبناء جدار واقٍ من الوعى النقدي لدى الأجيال الجديدة.

وشدد على ضرورة وضع ميثاق شرف حقيقي لمنصات الإعلام الرقمي والجهات الرقابية وتطبيق ضوابط صارمة على الإعلانات والتمويل الرقمي للمحتوى الهابط، حتى لا يتحول الفضاء العام فى مصر إلى مساحة مستباحة تدار بفوضى «التريند» على حساب القيم العليا والذوق العام.

ودعا «زكريا» إلى حماية المجتمع من تصدير صورة مشوهة عن هويته الثقافية والحضارية عبر منصات التواصل الاجتماعي، موضحا أن التشريعات الجنائية تعتمد على نصوص عامة ومقننة مثل «خدش الحياء العام» أو «الاعتداء على القيم الأسرية للمجتمع»، وهى مصطلحات مرنة تترك للقاضي سلطة تقديرية واسعة لتقييم ما إذا كان الفعل المقدم يخرج عن حدود الإباحة القانونية إلى نطاق التجريم.

وأوضح أن القانون لا يمكنه أن يفرض معيارًا أخلاقيًا تفصيليًا لكل سلوك بشرى، ولكنه يضع سقفًا عامًا يحمى النظام العام والآداب، ما يعنى أن غياب النص العقابي المباشر عن تصرف استعراضي معين لا يمنحه بالضرورة مشروعية مجتمعية، بل يضعنا أمام فجوة حقيقية بين ما هو مباح قانونًا وما هو مرفوض وجدانيًا.

 

استخفاف وابتذال

قالت الخبيرة القانونية نهى الجندي، إنّ النصوص العقابية ، مثل جرائم «خدش الحياء العام» أو «الاعتداء على القيم الأسرية»، تعانى فى كثير من الأحيان من عموميتها، ما يجعلها قاصرة عن ملاحقة الأشكال المستحدثة من الابتذال والاستخفاف بالذوق العام التى تُرتكب تحت غطاء «صناعة المحتوى» والتريند.

وأضافت «نهى الجندي» فى تصريحات صحفية أنّ الكثير من السلوكيات الهابطة والإساءات البصرية واللفظية تتحرك فى مساحة رمادية لا تجد تجريمًا صريحًا يحاسبها، ما يخلق فجوة واسعة بين النصوص القانونية السارية والواقع المجتمعى المؤلم الذى يعانى من سيولة أخلاقية غير مسبوقة.

وأشارت إلى تجربة «قانون العيب» الذى كان مرتبطًا بفكرة حماية القيم الأساسية للمجتمع وهيبة الدولة، إلا أنه أُلغى على خلفية جدل سياسى وحقوقى محموم حول مخاوف استخدامه فى تقييد الحريات العامة وحرية التعبير.

وشددت «نهى الجندي» على أن إعادة إحياء «قانون العيب» قد لا تكون هى النموذج الأمثل للتعامل مع معضلة اليوم، نظرًا لتغير طبيعة المجتمعات ووسائل الإعلام، موضحة أن الحاجة باتت ملحة لصياغة تشريعات عصرية تجرّم «الابتذال الممنهج» والإساءة المتعمدة للوجدان العام عبر السوشيال ميديا، دون المساس بحرية الإبداع الحقيقى، لحماية الأجيال القادمة من طوفان التفاهة الذى يغرق الفضاء العام.