من إعلان “الرحيل” إلى الحذر.. لماذا لا يصدق مراقبون وعد السيسي بالمغادرة في 2030؟!

- ‎فيتقارير

لم يؤدِّ حديث  المنقلب عبد الفتاح السيسي عن احترام "الدستور" ومغادرة الحكم في عام 2030، بحسب التدوينات المرفقة، إلى إنهاء الشكوك بشأن مستقبل السلطة في مصر، بل فتح الباب أمام موجة من التساؤلات عن مدى جدية التعهد، وإمكان الالتزام به، وما إذا كان إعلان الرحيل يمثل تحولاً حقيقياً في طريقة إدارة الدولة أم مجرد تصريح لا تكفي الكلمات وحدها لإثبات صدقيته.

وفي قلب هذا السجال، لا يقتصر اعتراض المعلقين على طول فترة بقاء السيسي في الحكم، بل يمتد إلى غياب الثقة فيه وفي الضمانات السياسية والمؤسسة العسكرية، واستمرار ملف المعتقلين، ومحدودية المشاركة السياسية، والتساؤلات بشأن السياسات الاقتصادية والخارجية.

ويرى المراقبون أن إعلان الرحيل يستدعي الحذر بدلاً من الاحتفاء، واتجاه يشترط الإفراج عن المعتقلين وفتح المجال العام قبل الحديث عن انتقال ديمقراطي، واتجاه يربط أزمة الثقة بما يصفه بتضخم صورة الحاكم وتقديمه باعتباره صاحب الدور المركزي في إنقاذ الدولة.

 

إعلان الرحيل يقلقني أكثر ما يبسطني

وعبّر علي حمزة عن شكوكه في إعلان السيسي استعداده لمغادرة الحكم عام 2030، معتبراً أن المفارقة بين الخطاب السابق للرئيس وتصريحه الأخير تستدعي التساؤل عن أسباب هذا التحول.

وكتب@omar08051969، "أنا فكرة إعلان السيسي رغبته في الرحيل عن حكم مصر.. بتقلقني أكتر ما بتبسطني!! صحيح كلنا انبسطنا وقلنا أخيراً بقى هنشوف حد جديد، بس لما ترجع تفكر في الموضوع ده كويس تحس بالقلق أكتر!".

ويستند إلى ما يراه تناقضاً بين الخطاب الذي قدم فيه السيسي وصوله إلى الحكم باعتباره قدراً إلهياً، وبين الحديث المفاجئ عن احترام الدستور ومغادرة السلطة في الموعد المحدد.

ويتساءل ساخراً: "طيب ومالك الملك؟ وأنا اللي جابني هنا ربنا وهو بس اللي يمشيني!!".

كما يطرح احتمالاً اقتصادياً افتراضياً، مفاده أن يكون الإعلان محاولة لكسب الوقت حتى موعد انتهاء الولاية، ثم ترك الأزمات الاقتصادية لخليفة يتحمل مسئوليتها السياسية. ولا يقدم صاحب التدوينة دليلاً يثبت وجود مثل هذه الخطة، بل يطرحها بوصفها احتمالاً يعكس انعدام ثقته في الخطاب الرئاسي.

ويخلص إلى مفارقة أساسية في نظره، وهي أن محاولات البقاء في الحكم والتلاعب بالدستور تبدو له أكثر قابلية للتوقع من إعلان مفاجئ بالالتزام به.

 

لا معنى للحديث عن الرحيل من دون الإفراج عن المعتقلين

وربط الفنان عمرو واكد بين مصداقية أي تعهد بمغادرة السلطة وبين إجراء تغييرات سياسية ملموسة، وفي مقدمتها الإفراج غير المشروط عن المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين وفتح المجال العام أمام المشاركة السياسية.

وكتب @amrwaked، "لا أصدق أن أي شيء سيتغير في مصر قبل الإفراج غير المشروط عن جميع المعتقلين، وإن صدق السيسي في رحيله في 2030 هذا لن يغير شيئا طول ما المعتقلين ما زالوا في السجون".

ولا يتعامل واكد مع موعد انتهاء الحكم باعتباره القضية الوحيدة، بل يرى أن جوهر الأزمة يتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه، وبما إذا كان الانتقال سيؤدي إلى مشاركة شعبية حقيقية أم سيقتصر على استبدال شخص بآخر مع استمرار القواعد ذاتها.

وفي هذا السياق، يشدد على حق المواطنين في انتقاد المسئولين ومحاسبتهم، مستعيناً بمثال الشركات لتوضيح أن صاحب المنصب ليس مالكاً للمؤسسة التي يديرها.

ويقول: "رئيس مجلس إدارة شركة ليس سيدا على ملاك الأسهم فيها، والشعب هو المالك الوحيد لأسهم السياسة في أي بلد".

ويضع واكد شرطاً واضحاً لتصديق إعلان الرحيل، يتمثل في الإفراج عن المعتقلين وعودة المنفيين، وبدء فترة انتقالية جادة تعمل على ترسيخ نظام ديمقراطي، لا على إعداد خليفة يحافظ على بنية الحكم القائمة.

ويختتم موقفه بعبارة حاسمة: "المؤشر الوحيد في مصر هو خروج المعتقلين وعدم دخولهم تاني أبداً حتى وإن اتهموا السيسي بالخيانة والعمالة، غير كده يبقى كله مخدرات".

وتعكس التدوينة اتجاهاً في المعارضة المصرية يرى أن صدقية الوعود السياسية لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بإجراءات قابلة للتحقق، خصوصاً فيما يتعلق بالحريات والحقوق السياسية.

 

ملفات تركيا وإثيوبيا و"إسرائيل"

وبين هاشتاجي  #اعتقال_السيسي_واجب_وطني  و#محاكمة_السيسي_مطلب_شعبي انتقل محمد إسماعيل إلى محور السياسة الخارجية، مقدماً قراءة شديدة الانتقاد لطريقة تعامل السيسي مع ملفات إقليمية مختلفة، ومقارنة بين خطابه بشأن تركيا ومواقفه إزاء إسرائيل وإثيوبيا.

ويبدأ @Mohamed71935373 تدوينته بالتساؤل عن طبيعة الخطاب الرئاسي، قائلاً: "عندما ترى هذا الخطاب تعتقد أنه يخاطب إثيوبيا في ما يخص نهر النيل شريان حياة مصر ومن ورائها إسرائيل".

ويرى الكاتب أن الخطاب المصري، في تقديره، يبدو أكثر حزماً عند تناول تركيا، بينما يتسم بالهدوء والتساهل حين يتعلق الأمر بإسرائيل أو بتهديدات مرتبطة بالأمن القومي المصري.

كما يربط بين ملف الغاز في شرق المتوسط وترسيم الحدود وبين ما يعتبره تفريطاً في الموارد المصرية، ويوجه اتهامات سياسية بالغة الخطورة إلى السيسي بشأن المصالح الإسرائيلية والإقليمية.

ويكتب: "المشكلة هنا يا سادة أن قضية الغاز في البحر المتوسط وإعادة ترسيم الحدود هي قضية خيانة عظمى قام بها السيسي للتفريط في مواردنا الطبيعية لصالح الكيان المحتل". 

 

السيسي عن علاقته بالله

المجلس الثوري المصري @ERC_egy أثار تساؤلات بشأن ما اعتبره خللاً في الطريقة التي يتحدث بها السيسي عن الدين وعلاقته بالله، منتقداً رد فعل الحضور خلال إحدى المناسبات.

وكتب الحساب: "التصفيق لله من سنة الجاهلية يا ناس! كلما تحدث السيسي عن الدين وعن علاقته بالله جل جلاله، يؤكد الخلل الشديد في عقيدته الإسلامية، إن كانت إسلامية أصلاً".

ثم وسّع صاحب التدوينة انتقاده ليشمل الحضور الذين صفقوا، متسائلاً عن دور رجال الدين ومدى استيعاب الجمهور لما يسمعه. وتكشف هذه التدوينة عن انتقال جزء من الانتقادات من السياسات العامة والأداء السياسي إلى اللغة الدينية المستخدمة في الخطاب الرئاسي، وإلى ما يراه صاحبها توظيفاً للدين في تعزيز صورة الحاكم.

 

أن تكون ياسر جلال.. مؤسس جمهورية المرايا الجديدة

ويمثل مقال للصحفي وعضو الفريق الرئاسي للدكتور محمد مرسي أحمد عبد العزيز امتداداً أوسع لهذا السجال؛ إذ لا يتوقف عند التشكيك في إعلان الرحيل عام 2030، بل يتناول، عبر سلسلة من الاستعارات الساخرة، الطريقة التي يرى فيها أن السيسي يقدم بها نفسه إلى المصريين، والعلاقة بين صورته السياسية وصورته الدرامية في مسلسل "الاختيار 3". "ياسر جلال.. مؤسس جمهورية المرايا الجديدة".

ويقوم المقال على استعارة مركزية: المرآة المقعرة التي تضخم صورة الحاكم وإنجازاته، والمرآة المحدبة التي تصغر صورة الدولة وإمكاناتها حين يتعلق الأمر بمطالب المواطنين، والمرآة المستوية التي تعيد الإنسان إلى صورته من دون مبالغة أو تجميل.

ويكتب عبد العزيز: "المرآة المقعرة تقول: الجنرال أكبر من مصر، والمحدّبة تقول: مصر أصغر من أن تتحمل مطالب المصريين، وبين التقعير والتحديب، تُدار الجمهورية؛ جمهورية المرايا الجديدة".

 

صورة الحاكم كما يريدها الجمهور

يتوقف الكاتب عند اختيار الفنان ياسر جلال لتجسيد السيسي، معتبراً أن الشخصية الدرامية تتيح له مناقشة المسافة بين الحاكم الحقيقي والصورة البطولية التي يمكن أن تنتجها الكاميرا والإضاءة والمونتاج والموسيقى التصويرية.

ويقول: «ولم يكن المطلوب أن يمثل ياسر جلال الجنرال كما هو، بل أن يمثل الجنرال كما يرى نفسه في المرآة المقعّرة».

ويطرح تساؤلاً يلخص هذا المحور: "المشكلة ليست أن ياسر جلال أطول من الجنرال، المشكلة.. لماذا احتاج الجنرال إلى ياسر جلال أصلاً؟".

وبذلك يصبح الممثل، في قراءة عبد العزيز، أكثر من مجرد مؤدٍّ لشخصية سياسية؛ فهو استعارة عن المسافة بين الصورة المصنوعة للحاكم وبين الواقع الذي يختبره المواطن خارج الشاشة.

 

المنقذ أم أعباء الحياة اليومية

يربط عبد العزيز بين صناعة الصورة البطولية وبين خطاب يطلب من المصريين الصبر على ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والضغوط المرتبطة بالتعليم والصحة والأجور، في حين يركز الخطاب الرسمي على المشروعات الكبرى والإنجازات.

ويستخدم الكاتب شخصية "الدكتور جلجل"  الساخرة لتصوير علاقة الحاكم بالمواطن، وكأن الدولة عيادة ضخمة يصف فيها الطبيب العلاج نفسه لملايين المرضى، مهما اختلفت آلامهم.

ويكتب: "يا دكتور جلجل، الأسعار زادت.. طبيعي.. الحاجة اللي سعرها يِغلَى متشتروهاش.. صحيح".

ثم يطرح سؤالاً عن جدوى استمرار مطالبة المواطنين بالصبر، في ظل ما يعتبره غياباً للمحاسبة الفعلية عن النتائج.

ويستند المقال كذلك إلى ملف الدين الخارجي والمشروعات القومية، ليقارن بين الحديث عن محدودية الموارد عند تلبية الاحتياجات الاجتماعية، وبين الإنفاق على مشروعات ومبانٍ ضخمة

 

رابعة والنهضة.. ذاكرة لا تمحوها الصورة الدرامية

يترك عبد العزيز السخرية جانباً عندما يتناول فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2013، ويستشهد بتوثيق منظمة هيومن رايتس ووتش لأعداد القتلى في رابعة، وباستنتاجاتها بشأن طبيعة استخدام القوة في فض الاعتصام.

ويكتب: "هنا، نضع المرآة المقعرة والمحدبة جانباً، فلسنا بحاجة إلى المبالغة، ولا مجال للسخرية؛ نحتاج -فقط- إلى ذاكرة فولاذية ضد الخدش والنسيان".

ويؤكد هذا الجزء أن المقال لا يقتصر على نقد الصورة التلفزيونية، بل يربطها بمسائل سياسية وحقوقية يعتبرها الكاتب جزءاً من تقييم سنوات حكم السيسي.

 

«الحاكم الصادق لا يقول: صدقوني، بل يقول: فتشوا»

من أبرز محاور المقال نقده لاحتكار القرار وضعف المساءلة. ويرى عبد العزيز أن الدولة الحديثة لا ينبغي أن تقوم على افتراض نزاهة الحاكم أو صحة قراراته، بل على وجود مؤسسات تتيح الرقابة والتحقيق والمحاسبة.

ويكتب: "فالحاكم الشريف لا يخاف الرقابة.. والحاكم الأمين لا يخشى كشف الحساب.. والحاكم الصادق لا يقول: صدقوني، بل يقول: فتشوا".

وهنا تتصل استعارة المرآة المستوية مباشرة بالنقاش حول إعلان الرحيل في 2030؛ إذ يصبح السؤال، في منطق المقال، ليس ما إذا كان الحاكم يعلن رغبته في المغادرة، بل ما إذا كانت المؤسسات قادرة على ضمان انتقال السلطة ومحاسبة المسئولين بصرف النظر عن الأشخاص.

 

السؤال الأخير: ماذا فعلت بمصر؟

يختتم أحمد عبد العزيز مقاله بالعودة إلى المواطن الذي يواجه الواقع اليومي بعد انطفاء الشاشة، ويضع على لسان المرآة المستوية سؤالاً موجهاً إلى الحاكم: "السؤال الذي يجب أن يُسأل هو: بعد كل السنين دي.. عملت إيه في "دي"؟".

وتلخص هذه العبارة جوهر المقال: رفض الاكتفاء بالصورة التي يقدمها الحاكم عن نفسه، والدعوة إلى تقييم الحكم من خلال نتائجه الفعلية، والقدرة على مساءلة المسؤولين، وما يلمسه المواطن في حياته.

حساب أحمد عبد العزيز على منصة إكس 

 

خلفيات مناورة التنحي الثانية

الحقوقي بهي الدين حسن @BaheyHassan يرى أن "من قال أنه لن ينتظر حتي يطلب منه وزير الدفاع الانتقال لاستراحة شرم الشيخ (مثلما فعل طنطاوي مع مبارك) لا يقصد بالضرورة أنه سيبادر بالتنحي في ٢٠٣٠ أو قبلها، ولكنه علي الأرجح كان يفكر بترتيب كل ما يلزم لتجنب ذلك المصير، سواء اضطر للتنحي في ٢٠٣٠ أو واصل تولي الحكم بعدها. خاصة أن مبارك قضي وقتا في السجن ومحتجزا بمستشفي المعادي لا يقل كثيرا عما قضاه في شرم الشيخ".

وأضاف أنه "في حالة السيسي من المرجح أنه لن يكون مطلوبا فقط في قضايا فساد، بل أيضا قضايا تتعلق بقتل مصريين (رابعة وما قبلها ومابعدها).. ". بحسب ترتيب السيسي لذلك.

واعتبر أن "ماجري مع متصدقش ومدي مصر بالتوازي مع التلويح بالتنحي في ٢٠٣٠ لا يشير إلي أجواء تهيئة للرحيل، بل ربما لمناورة تنطوي علي تشبث أشد بكرسي الحكم".

وأشار إلى أنه إذا اضطر السيسي لمغادرة الكرسي في ذلك التاريخ أو قبله أو بعده، فمن المحتمل أن تكون محطته التالية مكان لا يمكن ملاحقته فيه قانونيا (موسكو مثالا). وهو أكثر من يعرف ماذا فعل، ولذا يدرك أنه لن يكون بمأمن في مصر، مهما تعهد له أي وزير دفاع.