كتب- إسلام محمد:
سخر الكاتب الصحفي عبد الناصر سلامة من حرص نظام الانقلاب على "الحرص على المصلحة"، في كل ما له علاقة بتكدير المواطنين، وهو ما تم حين زيادة الأسعار، ورفع الدعم، وفرض ضرائب جديدة، وزيادة الرسوم الدراسية، ورسوم الطرق والخدمات.
مطالبًا حكومة الانقلاب بالابتعاد عن "كل ما من شأنه مصلحة المواطن، الابتعاد عن الصب بصفة عامة، بعد أن أصبح هذا المصطلح مزعجًا بل مخيفًا كما هو الحال إذا صرح أحدهم بأن هذا العام هو عام الشباب مثلاً، سوف نجد حملة شبابية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي تناشد المسئولين الابتعاد عن الشباب، ذلك أن أول ما يتبادر إلى الذهن أن هناك من يضمر صبًا سلبيًا تجاه الشباب".
"لا مساس" و"المصلحة"
وقارن "سلامة" في المقال الذي نشره صباح السبت بصحيفة "المصري اليوم" بين "الصب في المصلحة" وتعبير "لا مساس" الذي كانت الحكومة تردده في السبعينات، "فى إشارة إلى عدم المساس بالدعم، عدم المساس بالأسعار، عدم المساس بحجم رغيف الخبز، عدم المساس بأسعار المواصلات، بقيمة الاتصالات، عدم المساس برسوم الخدمات والمرافق بصفة عامة، وكان هذا التعبير أكثر تداولاً أو ترويجًا من داخل البرلمان تحديداً، على لسان مختلف وزراء المجموعة الاقتصادية، ذلك أن الاستجوابات وطلبات الإحاطة فى ذلك الوقت كانت علامة مميزة لبرلمانات تلك المرحلة، حتى وإن لم تسفر عن شيء فى نهاية الأمر إلا أن المصطلح الحكومى عرف طريقه إلى التندر فى الشارع، ومع فنانى الكاريكاتير بصفة خاصة، ما جعل منه مجالاً خصبًا للسخرية شعبيًا وإعلاميًا".
وأضاف "سلامة" أن "القلق فى المرحلة الراهنة من تعبير الصب أصبح موازيًا للفوبيا التي تجتاح الشارع مساء يوم الخميس من كل أسبوع، بعد أن اعتادت الحكومة خلاله الإعلان عن زيادة الأسعار أو رفع الدعم أو ما شابه ذلك، ما جعل من ذلك التعبير مصطلحاً سيئ السُّمعة، كما تعبير المساس تماماً فى السابق، وهو ما يشير إلى أن سياسات الحكومات المتعاقبة فى التعامل مع المواطن كما هى، لا تخضع لدراسات تحترم عقله، كما لا تعمل على إقناعه بشفافية، أو على الأقل لا تسعى إلى إشراكه فى صناعة القرار، الذى يأتى صادماً دائمًا وأبدًا".
تراجع مريع
واستطرد: "الغريب فى الأمر هو أن نجد من يتحدث عن الصب فى مصلحة المواطن، حين رفع أسعار بطاقات شحن الهواتف مثلاً، أو الصب فى مصلحة المواطن رغم تردى الخدمة التى كان بشأنها هذا الصب أو ذاك، أو الصب فى مصلحة المواطن على الرغم من ذلك التراجع المريع في قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، أو الصب فى مصلحة المواطن على الرغم من أن الرواتب لم يطرأ عليها أى تغيير يتناسب مع جزء قليل من هذا الصب أو ذاك، أو الصب فى مصلحة المواطن فى غياب أفق واضح لأى تحسن مستقبلى فى مستوى المعيشة عمومًا، من خلال مشروعات أو إجراءات تشير إلى ذلك".
وقال "سلامة": "بعد الإجراءات الأخيرة التى طالت العملة المحلية فى إطار ما يعرف بالتعويم، أصبحت قيمة العشرة آلاف جنيه التى يكتنزها المواطن لا تساوى أكثر من ثلاثة آلاف جنيه، وهو ما كان يوجب على المسؤولين توضيح ماهية أو تعريف الصب في هذه الحالة من وجهة نظرهم، وبعد أن كان سعر كيلو اللحم ٧٠ جنيهًا، أصبح يدور حول ١٥٠ جنيهًا، وبعد أن كان سعر كيلو السكر جنيهين أصبح ١٢ جنيهًا، وبعد أن كانت فاتورة الكهرباء على سبيل المثال بقيمة ١٠٠ جنيه، أصبحت خمسمائة، وعلى هذا يمكن القياس مع ثبات الدخل الشهرى، ما يجعل من مفهوم الحكومة للصب في مصلحة المواطن أمرًا غاية في السوء، تطور بمرور الوقت إلى عدم ثقة، ولن نقول عداء حتى إشعار آخر".
تصدير الأزمات للأبناء
وأشار إلى رأيه قائلا: "أعتقد أن الصب فى مصلحة المواطن كان يتطلب القيام بإنشاء مشروعات كثيفة العمالة، وذلك بهدف الإنتاج والتصدير من جهة، وتشغيل العاطلين من جهة أخرى، الصب فى مصلحة المواطن كان يتطلب التوقف عن الاقتراض الخارجى الذى بلغ مداه خلال السنوات الأخيرة، متجاوزًا في مجمله ٨٠ مليار دولار، لأول مرة فى تاريخ مصر، بل تاريخ دول المنطقة، وهى أزمة يتم تصديرها للأجيال الحالية واللاحقة دون الإعلان عن كيفية السداد فى الحاضر أو في المستقبل، الصب فى مصلحة المواطن كان يتطلب ترشيدًا حقيقيًا للإنفاق الحكومي يتناسب مع الأزمة الحقيقية التي تعيشها البلاد".
واختتم قائلا: "هى إذن مرحلة الصب، وهى إذن حكومة الصب، وهى إذن سياسات الصب، ذلك التعبير الذى سوف تسجله الذاكرة مرادفاً لتعبير لا مساس، فبينما نرى ذلك الصب يأتى بنتائج عكسية أصبحت معها الأسرة المصرية تعيش أتعس حالاتها، كان عدم المساس أيضاً حالة كاذبة عانى منها الشارع كثيرًا، على الرغم من أن الأمر حينذاك كان يتعلق بزيادة تتراوح بين خمسة وعشرة مليمات فى هذه السلعة أو تلك، فيما يشير إلى أن التاريخ يأبى إلا أن يعيد نفسه مع الحالة المصرية التى تزداد صباً ومساساً عاماً بعد عام، بل يوماً بعد يوم!!".