فى زمن القمع والكبت غير المسبوق، وفى زمن الانهيار الاقتصادى وانعدام الدخل وعدم وجود فرص عمل، وفى زمن الفقر والذل والإهانات التى لا تتوقف لم يعد أمام الشباب المصرى الذى ينكل به عبدالفتاح السيسي منذ انقلابه الدموى على أول رئيس مدنى منتخب فى التاريخ المصرى الشهيد الدكتور محمد مرسى فى عام 2013 لم يعد أمام هذا الشباب إلا طريق الانتحار والتخلص من هذه الحياة البائسة وهذه تعد أول انجازات السيسي التى حققها باقتدار بدعم من الصهاينة والأمريكان .
الشباب المصرى الذى اختار رغما عنه طريق الانتحار حرص على أن يسجل مأساته للتاريخ عبر بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعى وكشف البعض منهم عن أسباب انتحاره التى تلخصت فى اليأس من حياة الذل والهوان فى زمن عصابة العسكر التى لا تعرف دينا ولا قيما ولا عرفا بل تتمادى فى الإجرام والإذلال بكل ما يُتاح لها من وسائل .
فى ظل هذه الأوضاع الكارثية تحولت السوشيال ميديا إلى منصة إعدام اختيارية ، يطل منها اليائسون لتسجيل رحلتهم الأخيرة تحت أعين آلاف المتابعين، لينتقل الوجع الإنسانى من غرف العزل المظلمة والموت الصامت إلى ساحة السوشيال ميديا المضيئة.
سيدة بورسعيد ماجى الشربينى
فى هذا السياق شهد مجتمع السوشيال ميديا حوادث مؤلمة هزّت وجدان المجتمع نقلها زر البث المباشر. كان آخرها سيدة بورسعيد ماجى الشربينى التى أعلنت عن إنهاء حياتها بإلقاء نفسها من شرفة منزلها خلال بث مباشر عبر حسابها الشخصى على موقع «فيسبوك»، نتيجة خلافات عائلية وأسرية حادة، وهو الأمر الذى خلّف حالة من الذعر والغضب العارم بين رواد منصات التواصل الاجتماعى الذين تابعوا الواقعة لحظة بلحظة.
قبلها بأشهر قليلة وتحديدًا فى شهر أبريل الماضى وقعت واحدة من أكثر الحوادث صدمة للرأى العام، حينما أنهت البلوجر بسنت سليمان حياتها ألمًا ويأسًا إثر سقوطها من شرفة شقتها فى الطابق الثالث عشر بمنطقة سموحة بمدينة الإسكندرية .
جاء ذلك فى ختام بث مباشر عبر منصة «فيسبوك» استمر لنحو ساعة كاملة، وجهت خلاله رسائل مؤثرة أوصت فيها بالاهتمام بطفلتيها، وعبرت عن شعورها بقسوة الظروف والضغوط المحيطة بها، قبل أن تُقدِم على هذا الفعل وسط ذهول المتابعين.
شاب الدقهلية مصطفى أبوالوفا
وسبق ذلك واقعة شاب الدقهلية مصطفى محمد أبوالوفا الذى لفظ أنفاسه الأخيرة فى فبراير 2025 متأثرًا بتناوله حبوب حفظ الغلة السامة خلال ظهوره فى بث مباشر عبر موقع «فيسبوك»، ووثّق لحظات تجرعه للمادة السامة على الهواء مباشرة عقب مروره بأزمات حادة، قبل أن يتم نقله للمستشفى فاقدًا للوعى حيث فارق الحياة.
نفس الواقعة حدثت فى أغسطس 2022 حينما أقدم الشاب عمرو ابن محافظة البحيرة على إنهاء حياته خلال بث مباشر عبر موقع «فيسبوك» من خلال تناول قرصين من حبوب الغلة، وظهر فى الفيديو موجهًا اتهامات ورسائل لبعض الأشخاص المقربين منه بعبارات قاسية مثل «مستنيك فى الآخرة يا ظالم»، قبل أن يتناول المادة السامة ويسقط غارقًا فى آلامه وسط عجز تام من المتابعين على السوشيال ميديا.
صرخة انتقام
الخبراء أجمعوا على أن الإقدام على الانتحار عبر بث مباشر ليس مجرد رغبة فى الخلاص الفردى، بل هو صرخة انتقام رمزى ومحاولة أخيرة للوجود والاعتراف .
وقال الخبراء : فى كثير من الأحيان، يعانى اليائس من شعوره بالتهميش وعدم الاستماع إليه فى محيطه الواقعى، فيلجأ إلى العالم الافتراضى لاعتقاده اللاواعى بأن هناك من سيتحرك لإنقاذه فى اللحظات الأخيرة.
وأشاروا إلى أن الكاميرا تتحول إلى شاهد إثبات يسعى المنتحر من خلاله لترك رسالة لا يمكن محوها أو تحريفها، يشرح فيها أسباب قهره وضغوطه النفسية أو الأسرية والمادية .
وحذر الخبراء من أن رؤية حوادث مشابهة متكررة على منصات التواصل تخلق نوعًا من الاعتياد وتسهيل الفكرة فى أذهان الأشخاص الهشين نفسيًا.
مسئولية الآخرين
من جانبه أكد استشارى الطب النفسى الدكتور جمال فرويز، أن الإقدام على الانتحار عبر البث المباشر فى وسائل التواصل الاجتماعى لا يرتبط دائمًا بالاكتئاب الحاد، بل يُعبر غالبًا عن سلوك اندفاعى وسعى للفت الانتباه وفرض الرأى، إلى جانب محاولة تحميل الآخرين المسئولية والذنب.
وقال فرويز فى تصريحات صحفية إن هذا السلوك يرتبط بشخصيات تعانى من اضطرابات انفعالية واندفاعية مثل الشخصيات الهستيرية والحدية والعصبية.
وأشار إلى أنه فى لحظة تنفيذ الانتحار، يدخل الشخص فى حالة من غياب الوعى والتركيز تُعرف بـ«العقل المجنون»، حيث يسيطر هدف واحد على تفكيره تمامًا، ويرجع ذلك إلى انخفاض حاد فى الناقلات العصبية كالدوبامين والسيروتونين بالدماغ، ما يُفقد المريض القدرة على التفكير العقلانى أو استحضار الوازع الدينى والشعور بالذنب.
وللحد من هذه الظاهرة، شدد فرويز على ضرورة إعادة إحياء مكاتب الخدمة الاجتماعية فى مختلف المناطق وتوفير أخصائيين اجتماعيين ونفسيين لدعم الأفراد وتوجيههم قانونيًا ونفسيًا، بالإضافة إلى تفعيل دور الإعلام والجمعيات الأهلية لتوفير الدعم والاستغاثة للمتأثرين بالضغط النفسى والظلم.
حالات فردية
واعتبرت استشارى الطب النفسى الدكتورة إيمان النبوى، أن ما يُبث من حالات انتحار عبر وسائل التواصل الاجتماعى هى حالات فردية، ويجب التأكيد على كونها كذلك لمنع تشجيع الآخرين على الإقدام عليها أو محاكاتها.
وأرجعت «إيمان النبوى» فى تصريحات صحفية الإقدام على الانتحار إلى وجود اضطرابات نفسية غير مكتشفة داخل بعض الأسَر، إلى جانب الوصمة الاجتماعية التى تدفع الأهل لتفسير المرض النفسى على أنه مس أو سحر أو حسد بدلًا من اللجوء إلى العلاج الطبى المتخصص.
وقالت إن التخلى الاجتماعى، وضغوط الحياة، والتفكير الحدى القائم على مبدأ «كل شيء أو لا شيء» لدى اﻷشخاص، بالإضافة إلى استعراض البذخ الوهمى على المنصات وتعرض البعض لعمليات نصب، تُعد من أبرز دوافع المنتحرين.
وحذّرت «إيمان النبوى» من أن نشر مقاطع الانتحار عبر البث المباشر يؤثر سلبًا على اﻷشخاص خاصة اﻷطفال والمراهقين لقلة إدراكهم ما يدفعهم لتقليد هذه الأفعال، مطالبة بتجريم نشر تلك الفيديوهات.
وانتقدت انسياق الإعلام وراء الترند وافتقاره للتوعية النفسية الجادة، مطالبة بإقامة مراكز توعية وتأهيل نفسى بأسعار زهيدة وبسرية تامة، وتشكيل فرق عمل متخصصة من أطباء وأخصائيين نفسيين واجتماعيين تنتشر فى الوحدات الصحية بالمحافظات للتوعية بالفرق بين المرض النفسى والاضطراب النفسى كاضطراب الشخصية الحدية.