تجددت تصريحات وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سموتريتش في 19 أكتوبر، وفق تقارير صحفية نشرت في اليوم التالي، حين عاد إلى التلويح بخسارة مصر لسيناء إذا هاجمت "إسرائيل". وهو ما يجعل القضية أبعد من سجال عابر، ويطرح سؤالًا عن كيفية بناء ردع مستدام في مواجهة خطاب يهدد أرضًا مصرية ذات سيادة في حين غاب الرد العادي من المنقلب عبدالفتاح السيسي أو حكومته.
وبغض النظر عن عودة سموتريتش إلى نفس التصريحات بعد الرد الهزيل من السيسي الذي دعاه للاطمئنان ثم غياب الرد بعدما عاود الوزير تكرار الادعاء ذاته، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تكون عودة الأهالي رسالة سياسية واستراتيجية؟
ويكشف المراقبون أنه إذا كانت سيناء جزءًا لا يتجزأ من السيادة المصرية، فلماذا لا تكون إعادة سكانها إلى أراضيهم، حيث تسمح الظروف الأمنية بذلك، جزءًا معلنًا من استراتيجية الدولة لتثبيت السيادة وتعزيز الاستقرار.
ويعتبر المراقبون أن وجود السكان في أرضهم، مع توافر الأمن والخدمات وسبل العيش، يُعزز ارتباط المجتمع المحلي بأرضه، ويجعل حماية الحدود مرتبطة أيضًا بحماية حياة المواطنين وحقوقهم. ولا يعني ذلك تحميل السكان مسئولية عسكرية أو اعتبارهم أداة بشرية للردع، بل الاعتراف بأنهم أصحاب حق أصيل في الأرض.
كما يؤكدون أنه لا يقتصر تأكيد السيادة على رفض التهديدات في البيانات الرسمية؛ بل يشمل ضمان حق المواطنين في الإقامة والتنقل والعمل والتملك وفق القانون، وإتاحة العودة الآمنة لمن هُجّروا من منازلهم، مع معالجة الأضرار التي لحقت بهم.
وأمام فتح أسئلة تتجاوز حدود الرد الدبلوماسي، لتطال طبيعة الردع المصري، وأوضاع سكان شمال سيناء الذين لا يزال بعضهم عاجزًا عن العودة إلى منازلهم. في 5 أكتوبر 2026، قال سموتريتش، بحسب ما نقلته وسائل إعلام، إن مصر تعلم أنها إذا هاجمت إسرائيل "فلن تكون هناك سيناء"، مضيفًا أنه "لم يعد هناك بيجن"، في إشارة إلى رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق مناحيم بيجن، الذي وقّع مع الرئيس أنور السادات معاهدة السلام المصرية الصهيونية عام 1979.
وفي 7 أكتوبر، نقلت وسائل إعلام مصرية عن مصدر مصري غير مسمى رفض القاهرة الزج باسم سيناء في تصريحات الوزير الصهيوني، ووصف التهديدات بأنها محاولة تصعيدية ذات أهداف انتخابية. لكن هذا الرد المنقول عن مصدر غير معلن فتح باب التساؤلات بشأن الإجراءات السياسية والدبلوماسية والعملية التي يمكن اتخاذها لمواجهة تهديد يمس أرضًا مصرية ذات سيادة.
"مصر: تصريحات سموتريتش عن سيناء تهديدات جوفاء"، 7 أكتوبر 2026
واعتبرت الكاتبة والإعلامية شيرين عرفة، عبر حسابها على منصة «إكس»، أن هناك تفاوتًا بين خطورة التهديد الصهيوني ونبرة الخطاب المصري.
وقالت @shirinarafah : ".. الوزير الصهيوني بيهدد مصر باحتلال سيناء ، فيخرج حاكم مصر في خطابه، بابتسامة عريضة، ولغة مستكينة ودودة.. ثم انتقدت ما فهمته من الخطاب .. باعتباره تأكيدًا على عدم وجود نية مصرية للحرب، معتبرة أن ذلك لا يجيب عن خطورة التهديد الصهيوني ولا عن تداعيات الاحتلال على الأمن القومي المصري".
وتطرح شيرين عرفة سؤالًا آخر يتعلق بالتفاوت بين حركة السياح الصهيونيين في جنوب سيناء والقيود التي فُرضت على دخول بعض المواطنين المصريين إلى مناطق في شبه الجزيرة.
ونقلت عن سائح صهيوني قوله، ردًا على سؤال عن تفضيله قضاء إجازة عيد العرش اليهودي في طابا: "لأنه لا يوجد مكان آخر يوازيها، إنها أرخص وأأمن وجهة سياحية لـ"لإسرائيليين".
كما استحضرت تصريحًا سابقًا نُسب إلى مدير أمن جنوب سيناء اللواء أحمد طايل في يناير 2017 بشأن إجراءات تنظيم دخول المصريين إلى المحافظة، تضمنت تقديم ما يثبت سبب الزيارة أو حجز الإقامة في بعض الحالات.
وتثير المقارنة سؤالًا مشروعًا عن معايير الدخول والتنقل داخل سيناء، ومدى تناسب القيود مع الضرورات الأمنية، والفرق بين الإجراءات المطبقة في جنوب سيناء والقيود التي واجهها سكان مناطق في شمالها.
عودة سكان رفح والشيخ زويد.. حق دستوري أم ملف أمني مفتوح؟
في 12 أكتوبر 2026، أصدرت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان ومنصة اللاجئين في مصر ومركز النديم بيانًا مشتركًا بعنوان: "منظمات حقوقية: تهديد سموتريتش لمصر خرق للقانون الدولي، ولسكان سيناء حق العودة والأمان على أراضيهم".
وقالت المنظمات إن عشرات الآلاف من أهالي رفح والشيخ زويد ما زالوا، وفق تقديرها، ممنوعين من العودة إلى أراضٍ هُجّروا منها قسرًا، في ظل قيود مستمرة على دخول الصحافة المستقلة ومنظمات المجتمع المدني إلى المنطقة.
كما أكدت أن المادة 63 من الدستور المصري تحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين، وطالبت الحكومة بتمكين السكان من العودة إلى أراضيهم، مع ضمان التعويض العادل وجبر الضرر.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في سياق التهديدات الصهيونية المتعلقة بسيناء؛ إذ إن حماية السيادة لا تتعلق بالأرض بوصفها مساحة جغرافية فحسب، بل تشمل أيضًا حقوق المواطنين الذين يعيشون عليها.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا لا تعلن الحكومة المصرية خطة واضحة لعودة السكان الذين تسمح الظروف الأمنية بعودتهم، مع تحديد المناطق التي ما زالت خطرة، وأسباب استمرار القيود، والجدول الزمني لمراجعتها؟
هذا سؤال عن سياسة عامة قابلة للمساءلة، ولا يشكل في ذاته دليلًا على وجود اتفاق سري أو تعمد للتفريط في سيناء.
الجيش والذاكرة الوطنية
في سياق الانتقادات المتعلقة بالجيش المصري وحرب أكتوبر، نشر الدكتور يحيى غنيم مقارنة انتقادية بين قادة الجيش الذين ارتبطت أسماؤهم بحرب 1973 والقيادة الحالية، متناولًا كذلك دور المؤسسة العسكرية في الأنشطة الاقتصادية.
وقال د. يحيى غنيم : @YahyaGhoniem "..فرق كبير بين جيش المُحرِّرين وجيش السبوبة، بين جيش الشهداء وجيش القتلة، بين من استشهدوا من أجل الأوطان ومن سرقوها".
وتابع مقارنته بين شخصيات عسكرية تاريخية، من بينها سعد الدين الشاذلي وعبد المنعم واصل، والقيادة الحالية، منتقدًا ما وصفه بتوظيف الجيش في مصالح اقتصادية وشخصية. ويعكس طرح غنيم موقفًا سياسيًا حادًا من طبيعة دور المؤسسة العسكرية في الحياة الاقتصادية والسياسية.
المناهج التعليمية والقضية الفلسطينية
وفي سياق متصل، نشر المجلس الثوري المصري انتقادًا للسياسات التعليمية، زاعمًا أن تغييرات في مناهج التعليم الابتدائي قلّصت المساحة المخصصة للحروب مع "إسرائيل" والشهداء والقضية الفلسطينية.
وقال حساب المجلس الثوري المصري @ERC_egy: "هل تعلم أيها المواطن أن الجاسوس السيسي الذي أدى أحد أدواره العاطفية أمس أمام أبطال حرب أكتوبر قام بتغيير مناهج التعليم الابتدائي لصالح الكيان؟"
كما ربط المنشور بين ما اعتبره تقليصًا لمساحة الحروب مع "إسرائيل" في المناهج، وبين تصريحات سموتريتش بشأن سيناء.
عودة الأهالي جزء من استراتيجية حماية سيناء
في ضوء هذه المواقف والبيانات، طرح مراقبون مجموعة من المطالب المحددة:
- إعلان خطة واضحة لعودة السكان الذين تسمح الظروف الأمنية بعودتهم، مع بيان أسباب استمرار القيود في المناطق الأخرى.
- ضمان التعويض العادل عن المنازل والأراضي والممتلكات المتضررة، وتوفير آلية مستقلة للتظلم.
- إشراك أهالي سيناء في القرارات المتعلقة بالأمن والتنمية والخدمات.
- توضيح الإجراءات الدبلوماسية والقانونية التي اتخذتها الدولة ردًا على التهديدات الصهيونية.
- إتاحة معلومات موثوقة عن أعداد المتضررين والمناطق التي أُعيد فتحها وتلك التي ما زالت مغلقة، بما يسمح بمحاسبة المسئولين على أساس بيانات قابلة للتحقق.
هذه المطالب لا تعني أن إعادة السكان يمكن أن تتم دون مراعاة المخاطر الأمنية، ولا أنها بديل عن الدفاع العسكري أو الدبلوماسية. لكنها تطرح تصورًا للسيادة يتضمن حماية المواطنين وحقوقهم، إلى جانب حماية الحدود.
وتتباين مواقف أصحاب المنشورات المذكورة في حدتها وطبيعة اتهاماتها؛ بين من ينتقد الخطاب الرسمي والقيود على حركة المواطنين، أو يطرح ضلوع الجيش في دور اقتصادي، بينما يركز المجلس الثوري المصري على المناهج التعليمية.