مَن يحمي حدودنا ؟ حين تصبح أبوظبي والرياض أولوية “عسكرية”: لماذا كان موقفه من غزة والسيادة المصرية؟

- ‎فيتقارير

 

أثار طرح المنقلب عبد الفتاح السيسي احتمال تقديم دعم عسكري للسعودية في مواجهة هجمات الحوثيين من اليمن تساؤلات بشأن أولويات الأمن القومي المصري، وحدود الالتزامات العسكرية الإقليمية، وموقف القاهرة من الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت محيط حدودها الشرقية خلال الحرب على قطاع غزة.

وبحسب تقارير صحفية، طلب السيسي تفويضًا برلمانيًا للنظر في تقديم دعم عسكري للسعودية، فيما أُرجئ التصويت إلى 26 أكتوبر 2026. وطُرحت المهمة باعتبارها دفاعية ومرتبطة بحماية الأراضي السعودية، لكن طلب التفويض لا يعني أن إرسال قوات مصرية قد نُفّذ بالفعل.

وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة تساؤلات أثارتها الصحفية شيرين عرفة عبر حسابها على منصة «إكس»، بشأن المفارقة بين احتمال تحرك الجيش المصري للدفاع عن الأراضي السعودية، وما جرى على الحدود المصرية مع قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية.

رفح تحت القصف: ماذا فعلت مصر؟

في أكتوبر 2023، تعرض الجانب الفلسطيني من معبر رفح ومحيطه لضربات إسرائيلية متكررة، ألحقت أضرارًا بالمعبر والطرق المؤدية إليه، وأعاقت إدخال المساعدات الإنسانية. وأعلنت القاهرة أن المعبر لم يُغلق رسميًا من جانبها، وأن الأضرار والأوضاع الميدانية حالت دون انتظام تشغيله.

وفي 22 أكتوبر من العام نفسه، أصابت شظايا قذيفة إسرائيلية برج مراقبة مصريًا قرب كرم أبو سالم، ما أدى إلى إصابة عدد من أفراد المراقبة الحدودية. وأكدت القوات المسلحة المصرية أن إسرائيل أعربت عن أسفها، وأعلنت فتح تحقيق في الواقعة.

ثم جاءت أحداث مايو 2024 لتزيد من حدة التساؤلات. ففي 7 مايو، سيطرت القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، وهو ما أثار اعتراضات مصرية ومخاوف بشأن الترتيبات الأمنية على الحدود، وفي 27 مايو، أعلنت القوات المسلحة المصرية مقتل أحد أفرادها، عبد الله رمضان عشري، في حادث إطلاق نار بمنطقة رفح، مؤكدة فتح تحقيق في الواقعة.

وتطرح هذه الأحداث أسئلة لا تزال حاضرة في النقاش العام: ما نتائج التحقيقات المتعلقة بإصابة الجنود المصريين ومقتل أحدهم؟ وما الإجراءات التي اتُخذت لمنع تكرار مثل هذه الحوادث؟ وكيف قيّمت الدولة المصرية استجابتها للاعتداءات التي طالت مواقع قريبة من حدودها؟

لا تعني هذه الأسئلة أن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل كان الخيار الوحيد، لكنها تضع أداء الدولة أمام استحقاق الشفافية، وتدفع إلى التساؤل عن الأدوات السياسية والدبلوماسية والأمنية التي استخدمتها لحماية حدودها وصون سيادتها.

من رفح إلى الرياض: سؤال الأولويات

في ضوء احتمال تقديم دعم عسكري للسعودية، تعود المقارنة التي طرحتها شيرين عرفة: إذا كانت القاهرة ترى أن حماية الأراضي السعودية تدخل ضمن مصالحها الأمنية والإقليمية، فكيف تشرح للمصريين استجابتها للأحداث التي شهدتها حدودها الشرقية خلال حرب غزة؟

القضية لا تتعلق بإنكار حق السعودية في حماية أراضيها، ولا بالقول "إن مصر مطالبة بإشعال حرب مع إسرائيل. بل تتعلق بمعايير اتخاذ القرار العسكري، وكيفية تحديد الأولويات، ومدى اتساق الالتزامات الخارجية مع متطلبات الأمن القومي المصري".

فإذا كان الدعم العسكري المحتمل للسعودية يستهدف حماية أراضيها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فمن حق الرأي العام معرفة طبيعة المهمة وحدودها ومدتها وكلفتها والمخاطر المحتملة على القوات المصرية، ومن حقه كذلك معرفة الأسس التي حكمت التعامل مع الاعتداءات التي طالت الحدود المصرية خلال حرب غزة، وما إذا كانت التحقيقات المعلنة قد انتهت إلى نتائج وإجراءات واضحة.

وفي هذا السياق، ترى شيرين عرفة أن احتمال توجه الجيش المصري للدفاع عن السعودية يستدعي إعادة النظر في ما جرى عند معبر رفح، متسائلة عمّن يتولى حماية الحدود الشرقية المصرية، وهو طرح نقدي يعكس قلقًا بشأن ترتيب الأولويات، لكنه لا يشكل، بمفرده، دليلًا على أن القاهرة تخلت عن مسؤولياتها تجاه غزة أو أن أي تحرك عسكري خارجي يستهدف خدمة مصالح مالية.

غزة: مسؤولية سياسية وإنسانية مستمرة

تجاوز عدد الفلسطينيين الذين أُبلغ عن مقتلهم في قطاع غزة 74 ألفًا بحلول أواخر سبتمبر 2026، وفق الحصيلة التي أوردتها وزارة الصحة في القطاع ونقلتها وسائل إعلام دولية. وتظل هذه حصيلة مُبلّغًا عنها وقابلة للمراجعة، في ظل صعوبات توثيق الضحايا والمفقودين.

وتضع هذه الخسائر البشرية الهائلة دور مصر تجاه غزة في قلب النقاش، سواء تعلق الأمر بإدخال المساعدات الإنسانية، أو رفض التهجير القسري للفلسطينيين، أو الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الحرب ومنع تجددها.

وفي المقابل، لا يعني التضامن مع الفلسطينيين بالضرورة الدخول في حرب مباشرة، كما أن تجنب المواجهة العسكرية لا يعفي الدولة من شرح سياستها وتقييم نتائجها، ولا من توضيح كيفية حماية حدودها ومنع تكرار الاعتداءات على مواقعها.

ومن هنا، فإن أي قرار يتعلق بإرسال قوات مصرية إلى خارج البلاد ينبغي أن يخضع لنقاش واضح بشأن أهدافه ومخاطره وكلفته، ومدى ارتباطه بالمصالح المصرية، بالتوازي مع تقديم إجابات عن الأسئلة المتعلقة بأمن الحدود الشرقية ونتائج التحقيقات في حوادث رفح.

مَن يحمي حدود مصر؟

بين رفح والرياض، لا يقتصر السؤال على المكان الذي قد تتحرك إليه القوات المصرية، بل يمتد إلى المعايير التي تحكم قرارات الدولة العسكرية والسياسية.

ما نتائج التحقيقات في حوادث رفح؟ وما حدود التفويض العسكري المحتمل لدعم السعودية؟ وكيف ستُحمى القوات المصرية من مخاطر التورط في مواجهة أوسع؟ وما الأدوات التي ستواصل القاهرة استخدامها للدفاع عن مصالحها في غزة وصون سيادتها على حدودها؟

هذه أسئلة مشروعة لا تجيب عنها الشعارات وحدها، بل تتطلب معلومات واضحة ومحاسبة وشفافية بشأن القرارات التي تُتخذ باسم الأمن القومي.

فحين تتحرك الدولة باسم الأمن القومي، يظل من حق مواطنيها أن يعرفوا كيف يخدم القرار أمن مصر، وكيف تُصان سيادتها، وكيف تُحمى أرواح أبنائها، وأين تقع غزة في حسابات سياستها الإقليمية.